وَآبَى إذَا يَأْبَى، وَأَلْيَنَ شِيمَةً ... وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا (¬١)
ثُمَّ كانت غزوةُ بدرٍ الكبرى في السنة الثانية من الهجرة (٦٢٤ م)، وهي يومُ العزَّة والنَّصر، يومُ الفرقان، حيث مكَّنَ الله تعالى أولياءَه من رؤوس الكفر وطواغيته، فقُتل منهم مَن قُتل، وأُسر منهم مَن أُسر، وجيء بهم إلى عبدِ الله ورسولِهِ ﷺ، فنظر إليهم نظرةً، واستحضر جرائمهم في مكَّة في حقِّ الدعوة وفي حقِّه ﷺ وحقِّ أصحابه ﵃؛ استحضر ما كانوا يتسلَّطون به عليه من الأذى الماديِّ والمعنويِّ، ولكن لم يحمله ذلك كلُّه على الانتقام، ولم تجد نشوةُ النَّصر إلى قلبه الطَّاهر النَّقي سبيلاً، بل استحضر ـ وهو في حال القوَّة والغَلَبَة ـ موقفَ المطعم بن عديٍّ، فقال سيِّدُ الأوفياء والشُّرفاء ﷺ في أولئك الأسرى: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى؛ لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ». (¬٢)
وهذا غاية ما يكون من الوفاء والإحسان، وحفظ الجميل، وكرم النَّفس، وعلو الهمَّة، فأين نحن من أخلاق نبيِّنا الكريم صلوات ربِّي وسلامه عليه؟ اللهم غفرانك!