قوْلُه تعالَى: ﴿وأَنَّا منَّا الصَّالِحُون ومِنَّا دُونِ ذلِكَ﴾ ؛ فإنَّه أَرادَ مِنَّا قَوْمٌ، دُون ذلِكَ فحذفَ المَوْصُوف.
وقالَ غيرُهُ: ومِنَّا دُونَ ذلِكَ، بالنَّصْبِ والمَوْضِعُ مَوْضِعُ رَفْعٍ، وذلِكَ أنَّ العادَةَ فِي دُون أَنْ يكونَ ظَرْفاً ولذلِكَ نصبُوه.
(و) يكونُ (بمعْنَى أَمامَ، و) بمعْنَى (وراءَ، و) بمعْنَى (فوقَ ضِدٌّ) ، فمِن معْنَى الوَراءِ قوْلُهم: هَذَا أَميرٌ على مَا دُون جَيحونَ، أَي على مَا وَراءَه؛ وَمِنْه قوْلُ الشاعِرِ:
تُرِيك القَذى مِن دُونها وَهِي ﴿دُونه إِذا ذاقَها من ذاقَها يَتَمَطَّقُأَي تُرِيك هَذِه الخمرُ مِن ورَائِها، والخمْرُ دُونَ القَذى إِليك، وليسَ ثمَّ قَذًى وَلَكِن هَذَا تَشْبيه؛ يقولُ: لَو كانَ أَسْفَلُها قَذًى لرَأَيْته.
ومِن معْنَى فَوْق قوْلُهم: إِنَّ فلَانا لشَّريفٌ، فيُجيبُ آخَرُ فيقولُ:﴾ ودُون ذلِكَ، أَي فَوْقَ ذلِكَ.
(و) يكونُ (بمعْنَى (غيرٍ، قيلَ. وَمِنْه) قوْلُه تعالَى: ﴿ويَعْملُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ﴾ ، أَي دُون الغَوْص، يُريدُ سِوَى الغَوْص مِن البِنَاءِ، نَقَلَه الفرَّاءُ؛ وَكَذَا قوْلُه تعالَى: ﴿إلهَيْن مِن دُون الّلهِ﴾ ، أَي غَيْر الّلهِ. وقوْلُه تعالَى: ﴿وَيغْفر مَا دُون ذلِكَ﴾ ، أَي مَا سِوَى ذلِكَ، وقيلَ: أَي مَا كانَ أَقَلّ مِن ذلِكَ، والمَعْنَيان مُتَلازِمَان، نَقَلَه الرَّاغبُ.
وكذلِكَ الحدِيثُ:
((لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسِ أَواقٍ صَدَقَةٌ) ، أَي فِي غيرِ خَمْسِ أَواقٍ قيلَ: وَمِنْه) أَيْضاً (الحَديثُ: (أَجازَ الخُلْعَ دونَ عِقاصِ رأْسِها) ، أَي بِمَا سِوَى عِقاصِ رأْسِها، أَو مَعْناهُ؛ بكُلِّ شيءٍ حَتَّى بعِقاصِ رأْسِها.