قَالَ ابنُ سِيدَه: قِيلَ فِي تَفْسِيره قَوْلَانِ: أَحدُهُمَا: أَي أَقمْ فِي دِيَارِهِم آمِناً كالظَّبْيِ الآمِنِ فِي كِنَاسِه، قد أَمِنَ حَيْثُ لَا يَرَى إِنْسِيّاً، وَهُوَ قَوْلُ ابنِ قُتَيْبَةَ عَن ابْنِ الأَعْرابِيّ. أَو المَعْنَى: لَا تَأْمَنْهُم، بل كُنْ يَقِظاً مُتَوَحِّشاً مُسْتَوْفِزاً، فإِنَّكَ بَيْنض أَظْهُرِ الكَفَرَةِ، فإِذا رَابَكَ مِنْهُم رَيْبٌ، نَفَرْتَ عَنْهُم شَارِداً، كَمَا يَنْفِرُ الظَّبِيُ، وَهُوَ قَوْلُ الأَزْهَرِيّ: وظَبْياً فِي القَوْلَيْنِ مُنْتَصِبٌ على الحالِ، وأَوقَعَ الاسْمُ مَوْقِعَ اسْمِ الفَاعِل، كأَنَّه قَدَّرَه مُتَظَبِّياً كَمَا حَكَاه الهَرَوِيّ فِي الغَرِيبَيْن. قُلتُ: والَّذِي صَرَّحَ بِهِ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ وغَيْرُه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّما أَرْسَلَه إِلى مَنْ أَسْلَم مِنْ قَوْمِه، وكَتَب إِليه أَن يُوَرِّثَ امرأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيّ من دِيَةِ زَوْجِهَا، فالوَجْهُ الأَوَّلُ هُوَ المُنَاسِبُ للمَقَام، ولأَنَّه كَانَ أَحَدَ الأَبْطَالِ مَعْدُوداً بمائِةِ فارِس، كَمَا رُوِيَ ذَلِك، وَكَانَ مُسْتَوْحِشاً مِنْهُم، فَطَمَّنَهُ ﷺ، وأَزالَ عَنهُ الوَحْشَةَ والخَوْفَ، وأَمَرَهُ بأَن يَقَرَّ فِي بُيُوتِهِم قَرَارَ الظَّبْيِ فِي كِنَاسِه، وَلَا يَخْشَى من بأْسِهِم، فتَأَمَّلْ. فِي حَدِيث الفِتَنِ رُوِيَ عَن النَّبِيّ ﷺ أَنَّه ذَكَرَ من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَنْطِقَ الرُّوَيْبِضَةُ فِي أُمُورِ العَامَّة وَهُوَ تَصْغِير الرَّابِضَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْعَى الرَّبِيضَ، كَمَا نَقَلَه الأَزْهَرِيّ. وبَقِيَّةُ الحَدِيثِ: قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ أَي الحَقِيرُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ. وَهَذَا تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْكَلِمةِ. بأَبِي وأُمّي، وَلَيْسَ فِي نَصِّه كَلمةُ أَيْ، بَيْنَ التّافِه والحَقِير.
قلتُ: وقَرَأْتُ فِي الكَامل لِابْنِ عَدِيٌّ فِي تَرْجَمَة مُحَمّد بْنِ إِسحاقَ عَن عَبْدِ الله بنِ دِينَار عَن أَنسٍ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ: الفاسقُ يَتَكَلَّم فِي أَمرِ العَامَّة انْتَهَى. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: ومِمّا يُثْبِت