فهذا أحسن الأقوال وفيها قولان آخران: فإن كنت في شكٍّ مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون، كما تقول للرجل: إن كنت أبي فتعطف عليَّ، أي إن كنت أبى فواجبٌ أن تتعطف عليَّ، ليس أنه شك في أنه أبوه (¬١).
وفيها وجه ثالث (¬٢): أن تكون (إن) في معنى (ما) فيكون المعنى ما كنت في شك مما أنزلنا إليك، فأسأل الذين يقرؤون، أي لسنا نأمرك لأنك شاك، ولكن لتزداد ... " (¬٣) وقيل: أقوالاً غير هذه. (¬٤)
وقال ابن عطية: " والصواب في معنى الآية أنَّها مخاطبة للنبي ﷺ والمراد بها سواه، من كل من يمكن أن يشكَّ أو يعارض ". (¬٥) والأكثرون على أن معنى الآية أن الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره من الشاكين. (¬٦)
وقال القاضي عياض: " فاحذر ثبَّت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك للنبي ﷺ فيما أوحى إليه وأنه من البشر، فمثل هذا لا يجوز عليه جملة ... " (¬٧)
قال النحاس: " في موضع جزم بالشرط " (¬٨)
قال أبو حيان: " الظاهر: أنَّ (إن) شرطية، وروي عن الحسن والحسين بن الفضل أنّ: إنْ نافية، قال الزمخشري: أي، فما كنتَ في شك فاسأل، يعني: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاكٌّ، ولكن لتزداد يقيناً، كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينة إحياء الموتى. (¬٩).
وإذا كانت (إن) شرطية فذكروا أنها تدخل على الممكن وجوده، أو المحقق وجودة المنبهم زمان وقوعه، كقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]
والذي أقول: أنَّ (إن) الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء ولا تستلزم تحتم وقوعه، ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومستحيل أن يكون له ولد، فكذلك هذا مستحيل أن يكون في شك، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]