فرسول الله ﷺ أبان دين الإسلام بما لا يدع- مع بيانه- خفاءً، وبما لا يجعل الناس يجدون لغير دين الله التجاءً، وجد واجتهد لتبليغ رسالة ربه، وتحمل في سبيل ذلك أشد المشقة، وأبلغ العناء، ومن دلائل ذلك قوله: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (¬١)، وكان هذا البيان المحمدي مثيرًا لاستعجاب المشركين واستنكارهم، ففي الصحيح عن سلمان قال: «قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ صَاحِبُكُمْ حَتَّى يُوشِكَ أَنْ يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، أَوْ بِالْعَظْمِ، أَوْ بِالرَّجِيعِ، وَقَالَ: لَا يَكْتَفِي أَحَدُكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» (¬٢).
بل إن البيان والوضوح كان من صفاته ﷺ الشخصية، فقد كان الصحابة يعرفون في وجهه إن كان راضيًا مسرورًا، أو كارهًا غاضبًا، فلم يكن غامضًا، ولذا كانوا يتعلمون وينهلون من قوله وفعله وصمته وإقراره، بل حتى تبسُّمِه.
الأثر الخامس: العناية ببيان العلم وفضله:
فإن كتمان العلم خلق مذموم مطلقًا، وهو من أخلاق المغضوب عليهم، يقول الله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾