بمدى البطولة والتسامح اللذين كان الرسول ﷺ والمسلمين يتحملون بهما سخرية قومهم وسبهم، فضلا عن العزلة والمقاطعة التي فرضت عليهم ووصلت أحيانا إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل (¬١). ولقد أجبر ذلك مئات المسلمين - ومنهم من أشراف قريش مثل عثمان وأم حبيبة بنت أبى سفيان - أن يبحثوا عن ملجئ أمين (¬٢) بالقرب من ملك الحبشة. ولكن المثل الأخاذ في هذه الحقبة، الذي يدل على الأثر العجيب لهذا النداء السلمي، ضربه لنا سكان يثرب (التي أطلق عليها «المدينة» فيما بعد). فمن قبل أن يروا وجه الرسول الكريم ﷺ، ومن قبل أن يسمعوا صوته الندي، وبمجرد أن سمعوا التنزيل القرآني على لسان حجيجهم، أقبل عرب المدينة على الإسلام، وتلقوا القرآن بشغف، حتى أنه لم تبق أسرة واحدة إلا وكان من بين أفرادها عدد من المؤمنين. وأكثر من ذلك أن العداوات والخصومات التي ظلت سائدة بينهم ما يقرب من ربع قرن (¬٣)، قد انطفأت فجأة بنفحة ربانية (¬٤) وبعد أن كانوا أعداءا بالأمس أصبحوا بنعمة الله إخوانا (¬٥). وفي نفس الوقت بدأت العبادات الإسلامية - التي لم تمارس علانية بمكة بسبب الإضطهاد - تقام جماعة وعلى مرأى ومسمع من الناس جميعا (ومنها صلاة الجمعة كان يؤمهم فيها أبو أمامة قبل الهجرة بعام). ففي هذا الوسط الكريم استقبل جميع المسلمين تقريبا بحفاوة وترحاب، بعد أن تركوا ﴿دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ (¬٦)، وبعد أن أوذوا بمكة أشد الإيذاء.
Kitab: Madkhalun ilal Qur'anil Karim · Pengarang: محمد بن عبد الله دراز
Baca halaman 58
Rujukan halaman ini: مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن، ص 58 (SanadKitab #726, hlm. urut 46)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.