وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح قال: "ثناء الإنسان على نفسه" (¬١).
والإيمان من أعلى صفات الحمد، وإطلاق القول به تزكية مطلقة، والاستثناء فيه خروج من التزكية كما يقال للإنسان: أنت فقير أو مفسر؟ فيقول: نعم إن شاء الله لا في معرض الشك ولكن الإخراج نفسه عن التزكية.
والمعنى الثاني في الاستثناء: التأدب بذكر الله في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله تعالى، وقد أدب الله نبيه فقال: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (¬٢)، وروي أن النبي ﷺ قال: "من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام " (¬٣).
وقال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (¬٤) والله سبحانه عالم بأنهم يدخلون لا محالة، وأنه شاء دخولهم، وقوله إن شاء الله ليس على سبيل الشك، ولكن أدب الله نبيه والمؤمن في أن لا يتركوا الاستثناء ورد المشيئة إليه، فتأدب رسول الله ﷺ (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه، وروي أن رسول الله ﷺ (¬٥) دخل المقبرة في البقيع قال (¬٦): "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله (¬٧) بكم لاحقون" (¬٨). فالاستثناء منه ﷺ عائد إلى الإيمان أي على الإيمان بكم إذ (¬٩) الموت لا يشك فيه.