وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) في أَحْكَامِ الاعْتِكَافِ في المَسْجِدْ
الاعْتِكَافُ لُغَةً: لُزُومِ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ بِرًّا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِي الشَّرْعِ: لُزُومِ مُسْلِمٍ لا غُسْلَ عَلَيْهِ، عَاقِلٍ وَلَوْ مُمَيَّزًا مَسْجِدًا وَلَوْ سَاعَةً مِن لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِطَاعَةِ اللهِ.
وَهُوَ سُنَّةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي رَمَضَانَ آكَدَهُ، وَآكَدَهُ عَشْرهُ الأَخِيرُ لِمَا وَرَدْ عَنْ عَائِشَةَ – ﵂ – قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانْ) .
وَعَنْ أَنَسٍ – ﵁ – قَالَ: (كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ المُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ) .
أَمَّا كَوْنُهُ لا يَصِّحُ مِنَ الكَافِرْ، فَلأَنَّهُ مَنْ فُرُوعِ الإِيمَانِ، وَلا يَصِحّ مِنْهُ كَالصَّوْمِ، وَأَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ كَالمَجْنُونِ فَلأنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلَِ العِبَادَاتِ فَلَمْ يَصِحّ مِنْهُ.
أَمَّا كَوْنُهُ لا غُسْلَ عَلَيْهِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ – ﵂: «إِنّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍٍ وَلا جُنُبْ» .
وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي مَسْجِدٍ فَلِقَوْلِهِ تَعَالِى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَلا يَصِحُّ إِلا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الجَمَاعَةْ، لأَنَّ الاعْتِكَافَ في غَيْرِهِ يُفْضِي إِمَّا تَرْكِ الجَمَاعَةِ، أَوْ تَكَرُّرِ الخُرُوجِ إِلَيْهَا كَثِيرًا مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَهُوَ مُنَافٍ لِلاعْتِكَاف.