ويبقى الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى. وبيان معنى اللفظ سابق للاستنباط منه، ولا يصح استنباط إلا على معنى صحيح ثابت للفظ، فاللفظ بمنْزلة الأساس، والاستنباط بمنْزلة البنيان (¬١). قال القرطبي (¬٢): (والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط … ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر) (¬٣).
ثانيا: أوجه الاختلاف:
لا يمكن القول بأن الاستنباط والتفسير شيء واحد وإن كانت الصلة بينهما كبيرة. فيبقى بين الاستنباط والتفسير أوجه تميز كل واحد منهما، ومن هذه الأوجه:
١) يشترط في الاستنباط الخفاء فيما يستنبط بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك.
٢) مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات.
٣) التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية.
٤) الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد عُلم. قال الشنقيطي: (فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي ﷺ، ثم من الصحابة، والتابعين، وكبار المفسرين) (¬٤)، ولا يمكن لأحد ادعاء معرفة جميع ما تحمله الآية من الفوائد والأحكام. (¬٥).
تنبيه:
لا يلزم للحكم بصحة الاستنباط أن يصح مع جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية، ففي بعض المواطن يصح الاستنباط على أحد المعاني الراجحة في تفسير الآية (¬٦).