وما أشبهها من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، والآيات التي فيها الحث على كل خلق جميل فكان أول الخلق امتثالاً لها وسبقاً إليها وإلى تكميلها، فكان له منها أكملها وأجلها وأعلاها، وهو في كل خصلة منها في الذروة العليا، فكان سهلاً ليناً قريباً من الناس مجيباً لدعوة من دعاه قاضياً لحاجة من استقضاه، جابراً لقلب من سأله لا يحرمه ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه أمراً وافقهم عليه وتابعهم فيه إذا لم يكن في ذلك محذور، وإن عزم على أمر لم يستبده به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. ولم يكن يعاشر جليساً إلا أتم عشرة وأحسنها فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في كلامه ولا يطوي عنه بشره ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة بل يحسن إليه غاية الإحسان ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ"١.
وقال في موضع آخر: " فهو ﷺ أعظم الخلق حلماً وصبراً، وأكثرهم عفواً عن الخلق وصفحاً وأجمعهم لجميع المحاسن والكمالات وأكرمهم في الخير والمعروف وبذل الهبات وهو الذي جمع الكرم والإحسان بعمله وعلمه وحاله وماله"٢.
عصمته فيما يبلغ عن ربه:
وهذا مما يدل على كمال الرسول ﷺ البشري، فهو في ألفاظه وأقواله التي يبلغ فيها رسالة ربه، ما يتكلم بشيء منها إلا عن وحي من الله سبحانه، فقد عصمه الله من الخطأ في تبليغ الرسالة. وأدل شيء على ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣.
لذلك يقول ابن سعدي عن هذه الآية: "....ودل هذا على أن السنة وحي من الله ولرسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٤ وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه؛ لأن كلامه لا يصدر عن هوى وإنما يصدر عن وحي يوحى"٥.