قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ - وَهَذَا لَا يَنْسَنِدُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ أَخْبَارِ الْمَغَازِي، وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ يُقَالُ: هَذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَا شَكٍّ.
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ كَفَرَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ عَصَى و (. . .) وَأَذْنَبَ، وَبَلَى ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ بِهَذَا النَّصِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ.
وَأَمَّا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ إنْ أَصَابَتْ رَسُولَهُ ﵇ سَيِّئَةٌ وَمُصِيبَةٌ تَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ، أَوْ أَنَّهُ إنْ أَصَابَتْهُ حَسَنَةٌ سَاءَتْهُمْ، فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ: ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي، كَانَ مِنْهُمْ، وَلَا فِيهَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ ﵇ عَرَفَهُمْ وَعَرَفَ نِفَاقَهُمْ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَكُفَّارٌ بِلَا شَكٍّ، مُظْهِرُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ لِيُمَيِّزُوهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نِفَاقَهُمْ، بَلْ قَدْ كَانَ لِلْفُضَلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ ﵃ الْأَمْوَالُ الْوَاسِعَةُ، وَالْأَوْلَادُ النُّجَبَاءُ الْكَثِيرُ: كَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَغَيْرِهِمَا - فَهَذِهِ صِفَةٌ عَامَّةٌ يَدْخُلُ فِيهَا الْفَاضِلُ الصَّادِقُ، وَالْمُنَافِقُ، فَأَمَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ أَنْ لَا تُعْجِبَهُ أَمْوَالَهُمْ، وَلَا أَوْلَادَهُمْ، عُمُومًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ وَيَمُوتُوا كُفَّارًا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ؟