تفسير قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ.)
قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فالسارق فعل هذا الفعل الذي فعله -كما في سبب نزول الآية السابقة- كي يستتر أمام الناس.
الآية تحث على مراقبة العبد لربه ﷾، ولا يكن همه الأكبر أن ينجو أمام الناس، فهناك ملائكة لك بالمرصاد، وربك مطلع عليك وشهيد، واعلم أن المعية في قوله تعالى: (وهو معهم) معية اطلاع وإحاطة، وعلم ورؤية.
والمعية قسمان: معية خاصة ومعية عامة، فالمعية العامة كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فالله تعالى مع كل الناس، يطلع عليهم ويراهم ويعلم أخبارهم.
والمعية الخاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فلا يقال: إن الله مع الكافرين، ولا يقال: إن الله مع الظالمين، فإن قيل إن الله مع الظالمين فمعية عامة، أي: أن الله مطلع عليهم يراقبهم، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: (إِذْ يُبَيِّتُونَ) .
التبييت: هو التدبير بالليل، فيتآمرون ليلاً لينفذوا ما بيتوه صباحاً، ويطلق التبييت أيضاً على الغارة ليلاً، ويطلق التبييت أو البيات على العذاب الذي ينزل ليلاً، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٧-٩٨] .
وقوله تعالى: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) .
أي: يبيتون كلاماً يكرهه الله ﷾ ولا يحبه.
(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) .