الإصلاح بعد التوبة
قال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور:٥] ، فضم إلى التوبة الإصلاح، وهذا إذا كان الذنب يتعلق بالعباد فينبغي أن ترد المظلمة إلى العباد، ولا يكفي فيه أن تقول: (أستغفر الله) ، في نفسك، فإذا قال شخص: إن فلانة من الناس قد زنت -عياذاً بالله من ذلك- وهو يكذب عليها بقولته هذه، فإنه لا يكفيه أن يقول: أستغفر الله، بل عليه أن يظهر براءتها من التهمة التي نسبت إليها.
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور:٥] ، ونحو ذلك: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة:٣٩] ، أي: تاب من ظلمه للعباد وأصلح ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٣٩] ، ونحوه: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩-١٦٠] .
ما هي صورة الإصلاح في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ ؟ من العلماء من قال: إن الإصلاح يستلزم أن يكذب الرجل الرامي نفسه.
ويقول: هي ما زنت، وأنا كذبت عليها، وقد اشترط ذلك بعض العلماء، وقال آخرون: يكفي أن يسير بسيرة حسنة في الناس.
ولقد ورد في عدة تراجم لـ أبي بكرة ﵁ أنه رمى مع ثلاثة من الشهود -كما أسلفنا- المغيرة بن شعبة بالزنا، فتعثرت إقامة الشهادة فجلدوا ثمانين جلدة وردت شهادتهم، أما ثلاثة منهم فكذبوا أنفسهم بعد ذلك، وأبى أبو بكرة ﵁ إلا أن يصر على موقفه الذي رآه، وورد بأسانيد ينظر فيها أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان يطلب منه أن يكذب نفسه حتى تقبل شهادته ولكنه كان يصر على ما رأى وقال والله تعالى أعلم.