الدلائل والبراهين الجلية لكسوف الشمس والقمر
في الكسوف آيات لله ﷿ أعظمها وأجلها أنه يدل على وحدانية الله ﷾، وذلك أن اختلال الأشياء المنتظمة يدل على وجود مؤثر وهو الله ﷿ الذي جعلها تنتظم بقدرته وتختل بقدرته، وفي هذا رد على الطبيعيين الذين يقولون: إن الحياة طبيعية، وليس هناك إله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فحينما تختل الأمور يدل اختلالها على وجود مؤثر وهو الله ﷾، ولذلك خلق الله الأشياء بالأضداد حتى لا ينسب الأمر إلى الطبيعة، فجعل الألوان مختلفة والأشكال مختلفة، وجعل الصفات متباينة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن﴾ [الذاريات:٤٩]، فجعل الأشياء أزواجاً حتى تدل على وحدانيته ﷾؛ لأنه لو حدثت الأشياء بنفسها لحدثت على وتيرة واحدة، فلما جعلها الله متباينة الأشكال مختلفة الصور والصفات كان هذا من دلائل وحدانيته، ومن هنا نُهي المكلف عن تغيير الخلقة، فنهيت المرأة عن وصل شعرها؛ لأنك إذا رأيت المرأة بشعرها ثم رأيت امرأة بدون شعر علمت أن هناك إلهاً يخلق هذا وهذا، فنهي عن تغيير الخلقة والتعرض لها حتى يبقى عند الناس شعور بوجود من يخلق هذه الأشياء ويدبرها ﷾.
وأدلة القرآن تنصب على هذا، فتجد أن الله ﷿ يذكر ألوان الجبال، واختلاف الأشياء وتضادها، كالليل والنهار، والشمس والقمر، فكل شيء جعل له ضد، وهذه الضدية تشعرك بوحدانية الله ﷿.
فإن جاء إنسان يقول: الحياة طبيعية وليس هناك إله، فإنك تفحمه وتلقمه الحجر بوجود التباين، فلو كانت الأشياء حدثت بنفسها لحدثت بوتيرة واحدة، إما على الكمال المطلق وإما على النقص المطلق، أما كون هذا يكون على النقص وهذا يكون على الكمال، وهذا يكون كماله في الحس ونقصه في المعنى، وهذا كماله في المعنى ونقصه في الحس، فكل ذلك يدل على وحدانية الله ﷾ ووجود الخالق لوجود هذا التباين.
والكسوف من آيات الله التي فيها ردٌ على عبدة الشمس والكواكب، وذلك أنهم لما عظموا الشمس واعتقدوا أنها الإله غيبها الله ﷾ عنهم في كل يوم؛ حتى يعلموا أن الله ﷾ هو الذي يسيرها، وهو الذي يأمرها فتأتمر، كما في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (يوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث أتيت، فتصبح طالعة من مغربها، أتدري متى ذلك يا أبا ذر؟! حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً).
فالمقصود: أن الله يغيبها حتى يكون في ذلك رد على من يعبد الشمس، فلو كانت الشمس هي الإله لبقيت، ولكنها تزول وتذهب، فإذا كانت باقية كما في بعض المناطق التي قد لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات يسيرة فإنها تغيب بالكسوف ويذهب ضوءها بالكلية، ويظهر حينئذٍ أنها أفقر ما تكون لله ﷿، فالقمر يكون بينها وبين الأرض فيكون الكسوف إما كلياً أو جزئياً، فيظهر حينئذٍ أنه لا إله إلا الله ﷾.
كما أن في الكسوف تنبيهاً للغافلين وإيقاظاً للنائمين الذين هم في بعد عن صراط الله المبين؛ لأن الإنسان إذا أصابته النعمة كفر بها إلا أن يرحمه الله برحمته، فكونه يعيش في حياة يألفها ويفاجأ في يوم من الأيام بالشمس قد ذهب ضوءها، وأصبحت لا ضوء لها فإنه قد ينتبه ويعود إلى الله ﷿، حتى إنه في بعض الأحيان يذهب ضوءها إلى درجة يرى الناس فيها النجوم في وضح النهار، وكأنهم في ليلة من ليالي السرار، وهذا من عظمة الله ﷾.
فمن أبلغ ما يكون عظة في الكسوف أن يذهب ضوءها بالكلية فيكون كسوفاً كلياً، حتى إن الناس يرون النجوم، ويكون في ذلك عظة عظيمة للناس، خاصة المذنبين منهم، وفيه تثبيت لأهل الطاعة؛ لأنه يزيد من خوفهم من الله ﷻ، ولذلك كان أكمل الموحدين وإمام المطيعين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين إذا رأى الريح أقبل وأدبر، وتغيّر وجهه صلوات الله وسلامه عليه من شدة خوفه من الله ﷾.
فالكسوف يزيد من خوف الخائفين، ويزيد من يقين الموقنين، ففيه نوع من السلوى لأهل الإيمان والثبات لهم على طاعة الله ﷻ، وكذلك فيه التنبيه والعظة لمن كان بعيداً عن الله غافلاً عن طاعته جل ذكره، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده)، فهذا التخويف المقصود به دعوتهم إلى القرب من الله ﷿، ولذلك شرع الله ﷿ هذه الصلاة التي فيها دليل على خوف العبد من الله ﷾، واستشعاره لعظمته وقدرته على أخذ العباد كما أخذ ضوء هذه الشمس وأذهب ضياء القمر، فإنه قادر ﷾ على أن يذهب من دون ذلك وهم البشر.
نسأل الله العظيم أن يرحمنا برحمته.