تفقد الإمام لجيشه
فقال ﵀: (ويتفقد الإمام) أي: يتفقد الجيش عند الغزو، وهذا التفقد المراد به النظر في مصلحتهم، فما كان من نقص كمله، وما كان من خلل سده، فإن الله ﷾ أمر عباده المؤمنين أن يعدوا العدة للجهاد في سبيل الله ﷿، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فأمر ﷾ بالإعداد، ومِن الإعداد: تفقد الجيش قبل الغزو في سبيل الله ﷿.
وكانت سنة النبي ﷺ على ذلك، فكان يتفقد أصحابه قبل الخروج.
وكانت هذه سنة للخلفاء الراشدين من بعده، حتى إن أبا بكر ﵁ وأرضاه لما بعث جيش أسامة ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ، خرج أبو بكر يشيع أسامة وهو على فرسه؛ لأن رسول الله ﷺ أمَّره على ذلك الجيش، فقال أسامة: (يا خليفة رسول الله ﷺ اركب، فقال: إني أريد أن أغبر قدمي في سبيل الله ﷿، فكانت سنة لمن بَعد رسول الله ﷺ أن يتفقد المجاهدين في سبيل الله، وهذا التفقد -كما ذكرنا- تشحذ به الهمم لطاعة الله ومرضاته، فيوصي الإمام بالوصايا الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، حتى يخرج المجاهدون وهم على بصيرة من طاعة الله ﷿ ومرضاته، وما ينبغي أن يُتَّقى من سخطه وغضبه.
وكان ﵊ يوصي أمير الجيش في خاصته بتقوى الله ﷿، التي هي جماع كل خير، وأساس كل فلاح وصلاح في الدنيا والآخرة، ويأمر أفراد الجيش أن يغزوا باسم الله ليقاتلوا مَن عادى الله ورسوله ﷺ، فكانت هذه الوصايا تقوي من همم أصحاب رسول الله ﷺ، وتشحذ عزائمهم على الخير.
فيتفقد الإمام الجيش قبل المسير، فإذا رأى أخطاءً أو رأى نقصاً فإنه يقوم بسد ذلك النقص، وتصويب ذلك الخطأ، ومن هذا أنه إذا رأى مَن لا يصلح للخروج منعه، كصغار السن الذين لا حاجة إلى خروجهم، ولذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه استعرض الصحابة يوم الخندق، ويوم أحد، قال عبد الله بن عمر ﵄ وعن أبيه: (عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) فقوله: (عرضت) يدل على أن المجاهدين يُعرَضون على رسول الله ﷺ، فإذا رأى من لا يصلح للغزو؛ لضعفٍ، أو لصغر سنٍّ، أو جنونٍ، أو نحو ذلك من الآفات والموانع، فإنه يمنعه، ويجب على ذلك الرجل أن يمتنع طاعةً لله وطاعةً لرسوله ﷺ وطاعةً لأولي الأمر، فإنه لا صلاح للأمور إلا بذلك؛ لأنه إذا كُسِر أمام العدو قوَّى من عزمهم على المسلمين، فيمنع أمثال هؤلاء الضعاف، وإذا وجد إنساناً ضعيفاً في زاده، أو غير مستعد، أمره بأخذ العدة، وأوصاه كذلك بما فيه الخير له في دينه ودنياه وآخرته.