سبب نزول آيات الظهار
الظهار كان في الجاهلية، وجاء الإسلام فبيّن حكمه وما يترتب على التلفظ به، وكان أهل الجاهلية إذا تلفظوا بالظهار يعتبرونه طلاقاً، وصح هذا عن ابن عباس ﵄، وهناك رواية مرفوعة -ذكرها الإمام ابن جرير الطبري ﵀ أن خولة ﵂ لما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت ﵁ وأرضاه واشتكت إلى رسول الله ﷺ جعله طلاقاً.
فمذهب بعض العلماء أنه كان في الجاهلية طلاقاً، وحكى الإمام الشافعي ﵀ عن بعض أئمة السلف وأهل العلم أنهم كانوا يقولون: كان الطلاق في الجاهلية بثلاثة أشياء: بالطلاق المعروف، وبالظهار، وبالإيلاء، فكانت العرب إذا تلفظت بالطلاق أو بالظهار أو بالإيلاء عدت ذلك كله طلاقاً، فجاء الإسلام وهذب الأحكام، فجعل الطلاق طلاقاً، وجعل الظهار موجباً للكفارة، وجعل الإيلاء على التفصيل الذي تقدم معنا.
واختلف العلماء في ظهار أهل الجاهلية، فقال بعضهم: كانوا في الجاهلية إذا تلفظ أحدهم بالظهار يعتبرونه طلاقاً محرماً للمرأة إلى الأبد، فكان من عظيم الظلم للنساء، فتبقى المرأة لا هي زوجة ولا هي مطلقة تبين منه حتى ينكحها غيره من الناس، فتصبح معلقة محرومة من الأزواج ومحرومة من زوجها، محرومة من زوجها بالظهار، ومحرومة من الأزواج بالطلاق المؤبد فتحرم على غيره حرمة مؤبدة.
وقال بعض العلماء: إنها حرمة مثل حرمة الطلاق.
وعلى كل حال كان هذا اللفظ موجوداً في الجاهلية، وشاء الله ﷿ أن وقع الظهار في عهد النبي ﷺ، ووقع في حادثة مشهورة هي حادثة أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري ﵁ وأرضاه، وهذا الرجل كان من أجلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم، فقد شهد جميع المشاهد مع رسول الله ﷺ، وهو من أهل بدر الذين قال فيهم النبي ﷺ -كما في الحديث الصحيح-: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
وكان من أهل بيعة الشجرة الذين قال النبي ﷺ عنهم: (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) وهو صحابي له مكانته وفضله ﵁ وأرضاه.
وقد عمِّر حتى توفي ﵁ في خلافة عثمان في أواخر خلافته ﵁ وأرضاه، وتوفي بالشام ببيت المقدس بالرملة ﵁ وأرضاه، وجعل أعالي الفردوس مسكنه ومثواه.
فهذا الصحابي الجليل كان به ضعف وكانت فيه شدة، وفي يوم من الأيام راجعته زوجته في أمر من الأمور فحصل الغضب منه فقال: أنتِ عليّ كظهر أمي.
فظاهر منها، فخرج إلى أصحابه وجلس في النادي مع قومه، ثم رجع، فلما رجع إليها أراد منها ما يريد الرجل من امرأته -أي: أن يستمتع بها- فمنعته، وامتنعت من أن تمكنه من نفسها.
وكانت حاله وحالها على فقر ﵄ وأرضاهما، فانطلقت إلى بعض جيرانها وأخذت ثوباً منهم، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ منكسرة القلب حزينة مما أصابها من قول زوجها -وكان ابن عم لها- فذكرت شكواها، وبينت أنها أمضت حياتها وعاشرته على أحسن ما تكون العشرة، فنثرت له ما في بطنها، ومكنته من نفسها حتى رق عظمها وشاب رأسها، فظاهر منها ﵁، فاشتكت إلى الله ﷿.
قال بعض العلماء: حصلت المجادلة بينها وبين النبي ﷺ من جهة أن النبي ﷺ حرمها، ثم نزل الوحي.
وقيل: إن المجادلة أن النبي ﷺ حصل بينه وبينها بعض المراجعة.
وثبت في الحديث الصحيح من رواية أحمد في المسند أنها ما انتهت من كلامها إلا ونزل الوحي على رسول الله ﷺ.
وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ في هذه الحادثة العظيمة تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، إني والله لفي طرف البيت ما بيني وبينها إلا ستر رقيق يخفى عليّ بعض كلامها وسمعها الله من فوق سبع سموات.
﷾.
ولذلك قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة:١] و (قد) تفيد التحقيق وثبوت الشيء دون شك فيه ولا مرية، ولا يؤتى بها إلا في الأمر الثابت الذي لا إشكال فيه.
وأتى بلفظ الجلالة الظاهر، وما قال: قد سمعت بل قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١].
يقول بعض العلماء: من بديع دلالات القرآن أن ينفي الأشياء المحتملة التي ليست بحقيقة؛ لأنه لما قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] قد يظن ظان أنه سمع قولها ولم يسمع قول غيرها، فقال الله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، فأثبت لنفسه هذه الصفة التي تليق بجلاله وكماله، فوالله ما وقعت حبة في ظلمة إلا علمها الله، وما من نملة ولا أصغر من ذلك على صفحة حجر أملس في ليلة ظلماء إلا سمع الله صوتها وعلم مكانها وأجرى رزقها، لا يعجزه شيء ﷻ وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] فيه دليل على أن الشكوى إلى الله أمرها عظيم؛ لأن هذه المرأة قالت: إلى الله أشكو أوساً، وإلى الله أشكو أمري، فذكرت أنها تشتكي إلى الله جل وعلا، والله إليه منتهى كل شكوى.
وفي هذا دليل على أن من اشتكى إلى الله فقد جعل أمره عند من تنتهي إليه الشكوى ﷾، وهو سامع كل شكوى، لذلك كان يقول الأئمة: إلى الله المشتكى، أي أنه هو نهاية كل شكوى سبحانه.