القتل العمد
يقول ﵀: (وهي عمد يختص القود بشرط القصد).
الضمير عائد إلى الجنايات، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون الجناية عمداً، وإما أن تكون الجناية خطأً، وإما أن تكون شبه عمد.
وقد بينا أن هذا التقسيم الذي ذكره العلماء ﵏ هو أصح مذاهب العلماء في المسألة، وهو مذهب جمهور أهل العلم ﵏، وهو قضاء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، وأئمة التابعين، وهو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة.
قال ﵀: (وهي عمد).
يقال: عمد إلى الشيء إذا قصده، ولا يكون العمد عمداً إلا إذا وجد فيه القصد، وهذا النوع من الجناية هو أعظم أنواع الجناية وأشدها.
وقد أجمع العلماء ﵏ على تحريم قتل النفس المحرمة؛ لدليل الكتاب والسنة.
أما دليل الكتاب: فقول الله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، فبين أن المؤمن لا يقتل أخاه المؤمن عمداً ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فهذه أربع عقوبات، كل واحدة منها من الوعيد الشديد من الله ﷾ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)، فالأصل أن المؤمن لا يتعمد قتل أخيه المؤمن، ولكن إذا تعمد وقتله عمداً وعدواناً فإنه قد غضب الله عليه ولعنه، وجعل جهنم جزاءه وساءت مصيراً، وأعد له العذاب العظيم فيها، وهذا من أشد ما يكون؛ فإن الله ﷿ إذا رتب العقوبة مكررة على الشيء دل على عظمه.
وقال ﷾: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، قال بعض العلماء: (أنفسكم) أي: إخوانكم؛ لأن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، ولذلك قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١]، قيل: على إخوانكم، فجعل المؤمن مع المؤمن كالشيء الواحد؛ ولأنه إذا قتل أخاه المسلم فقد قتل النفس المؤمنة، فلا يتورع عن قتل أي نفس مؤمنة أخرى.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، فحرم الله قتل النفس المحرمة ونهى عن ذلك، والنهي يقتضي التحريم كما هو معلوم.
وكذلك جاءت نصوص السنة عن رسول الله ﷺ تبين حرمة قتل المسلم بدون حق، حتى قال ﷺ كما في الحديث الصحيح.
عن أبي هريرة ﵁: (اجتنبوا السبع الموبقات) والموبقات هي التي تهلك أصحابها -والعياذ بالله- وهي جمع موبقة، ترهنه حتى تأتي عليه وتهلكه والعياذ بالله، وذكر منها: (الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)، فقتل النفس التي حرم الله بغير حق من الموبقات المهلكات، ولذلك قال عبد الله بن عمر ﵄: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).
أي: لا يزال في فسحة ورحمة ما لم يقع في الدم المحرم -والعياذ بالله- لأنه موبق ومهلك لصاحبه.
وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وكذلك جاء عنه ﵊ أنه اقتص من القاتل، كما في حديث اليهودي الذي قتل الأنصارية.
والإجماع منعقد على تحريم القتل، وأنه من عظيم الذنب وشديد الذنب بعد الشرك بالله ﷿، ولذلك جاء في حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه بعض أصحاب السنن: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل المؤمن)، أي: بدون حق، وجاء عنه ﵊ أنه وقف على الكعبة فقال: (إنك عند الله بمكان -أي: محرمة معظمة- وإن دم المسلم أعظم عند الله منك)، أي: أن دم المسلم المحرم أعظم عند الله ﷿ من زوال الدنيا ومن الكعبة ومن هنا أجمع العلماء ﵏ على تحريم القتل بدون حق، وأنه من الإفساد في الأرض، وما من أمة ينتشر بينها القتل إلا أصابها البلاء العظيم.
ولذلك إذا أراد الله بقوم شر وبلاء وفتنة جعل بأسهم بينهم -والعياذ بالله- فقتل بعضهم بعضاً وتسلط بعضهم على دماء بعض.
فالقتل العمد مجمع على تحريمه، إلا إذا وجد السبب الموجب للقتل، وأذن الله في القتل وأحل دم المقتول بالدلائل الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.