الدليل من السنة على قتل من قتل غيره بالسم
والأصل في القتل بالسموم: ما صح عن رسول الله ﷺ في قصة المرأة اليهودية التي سمته ﵊ وأصحابه في قصة الشاة المسمومة، وكان ﷺ يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وكان يجيب الدعوة، فدعته هذه اليهودية، وقيل: إنها صنعت الشاة وبعثت بها إلى رسول الله ﷺ، وسألت ما الذي يحبه ﵊؟ وكان ﵊ يحب الكتف، وقد ذكر العلماء في الطب النبوي فوائد عجيبة من كونه ﵊ كان يحب الكتف، حتى أُخذ منها أن أجود وأفضل وأحسن اللحم في الأنعام ما كان قريباً من العظم، والأطباء يثبتون هذا، ولذلك فإن لحم الكتف قريب من العظم، وأيضاً: الكتف بعيدٌ عن البطن والجوف، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ﵀ في المجموع، وكان شيخ الإسلام عنده معرفة قوية بعلم الطب، فذكر أن أفضل اللحم هو هذا النوع، فكان ﷺ يحبه، فوضعت السم في هذا الموضع -كتف الشاة- فرفع ﵊ الكتف فنهشه ثم قال: (إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة)، وهذا من معجزاته ﵊، وكان قد أكل بعض أصحابه، فأكل أبو بكر ﵁، وأكل بشر بن البراء بن معرور ﵁ وعن أبيه، فأما بشر فمات من ساعته بعد أن أكل السم، فرواية أبي داود بقتلها كانت بسبب موت بشر ﵁ وأرضاه، فقتلها النبي ﷺ قصاصاً بـ بشر، وبناءً على ذلك صار أصلاً، حتى جاء في الرواية أنه قال أنس ﵁ كما في الرواية عنه: (ما زلت أرى أثر السم في لهاة النبي ﷺ حتى قبضه الله)، حتى اشتد ذلك التغير على رسول الله ﷺ بسب ذلك السم حتى فارق الحياة، ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، يخبر عن حال اليهود مع الأنبياء، فقال: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، وما قال: قتلتم، فعبر بصيغة المضارع التي تدل على أن من شأنهم قتل الأنبياء فيما مضى وفيما حضر وفيما سيأتي، فسم ﵊ ومات من أثر السم، فكان هذا من إعجاز القرآن وحسن بيانه.
فالشاهد: أن النبي ﷺ قَتَل بالسم، وصار أصلاً عند أهل العلم ﵏ في القتل بالسم، والإشكال في القتل بالسم: أن الذي باشر الأكل هو المقتول، ولم يفرض عليه أحد أن يأكل أو يشرب، ومن هنا يكون
الجواب
أن العرف يصعب معه أن يمتنع الضيف من أكل الطعام من مضيفه، وإذا لم يأكل طعام مضيفه فلابد أن هذا يعني أمراً، ولذلك كان من عادات العرب أنهم كانوا إذا جاءهم الضيف يمتنع من الأكل حتى تقضى حاجته، وهذا معروف، فلا يأكل أحد طعام أحد إلا وصار شيء من العلقة والحق بينهما، فبعيد جداً، ومن أخبث وأسوأ وأنقص ما يكون للمرء أن يؤذي ضيفه، ولذلك جعل الله ﷿ في شرعه أن الإحسان إلى الضيف إيمانٌ به ﷾: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فكونه يضع السم للضيف -والعياذ بالله- هذا من أسوأ ما يكون خيانة، وأسوأ ما يكون نقيصة لمن يفعله -نسأل الله السلامة والعافية-، ولذلك تخلَّق به هؤلاء الذين لا ذمة عندهم ولا عهد وهم اليهود.
فالأصل في العرف أن الضيف يأكل من طعام مضيفه، فإذا كان هذا قالوا: فتسقط المباشرة؛ لأنه أكل بنفسه، ويتحمل الساقي والمضيف المسئولية عن طعامه.
ويبقى السؤال في مسألة ما إذا كان في غير ضيافة، كما إذا كان في مطعمٍ أو نحوه، وهو يأخذ نفس الحكم؛ لأنه جرت العادة على أنه مأمون، وأنه ملزمٌ بحفظ طعامه وصيانته عما يضر، فإذا وضع له ذلك الشيء فإنه يكون قاتلاً، ويجب القصاص والقود على التفصيل الذي ذكرناه.