كيف يسحر النبي ﵊ مع مداومته على قراءة الأذكار؟
السؤال
أشكل علي إصابة النبي ﷺ بالسحر مع أنه ﵊ محافظٌ على الأذكار التي تقي من الشرور عموماً، أثابكم الله؟
الجواب
مما لا شك فيه أن المعوذات نزلت بعد قضية السحر، ولذلك اقتضت حكمة الله أن المعوذات لم تنزل قرآناً يتلى إلا بعد قضية سحره ﵊، وعلى كل حال لا يشكل ولا يلتبس عليك الأمر، ودع وساوس الشيطان عنك، فإذا جاء شيء في الشرع وحكم الله ﷿ به فسلم به واترك عنك كل شيء يشوش عليك في هذا الباب.
والأهم من ذلك أنه لم يحصل لهذا السحر تأثير على الوحي، فإذا جاء عقلاني يريد أن يناقشك فقل له: أثبت لي أن النبي ﷺ حصل له من هذا السحر تأثير على الوحي، أو أنه قال أو قرأ آية أو ادعى وحياً وهو مسحور هذا أمر.
الأمر الثاني: إذا قال لك: كيف يسحر وهو يوحى إليه؟ فقل له: الأمر بسيط، فإن المسحور يسحر مع زوجته، لكنه مع الناس رجل طبيعي، فإن المسحور إذا سحر لبغض زوجته فتجده طبيعياً في جميع الأمور إلا إذا دخل بيته، فإذا كان السحر محدوداً في شيء معين فما الذي جعلك أنت تتصوره عموماً؟ وإنما أشكل عليهم هذا لأنهم لم يفهموا ما هي حقيقة السحر، وجلسوا يخوضون ويتكلمون في شيء لم يفقهوه، فظنوا أنه ما دام أن النبي ﷺ قد سحر فيصبح -أجارنا الله وإياكم- كالمجنون، مع أن السحر جاء محدوداً، وقد بينته عائشة ﵂ فقالت: (كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعل)، هذا ما ورد في الرواية الصحيحة عن أم المؤمنين عائشة ﵂، وهذا التأثير المحدود ليس له سلطان على الوحي، لكن البعض يريد أن يدخل في المغيبات ويسأل: كيف يتأثر الجسد بالسحر؟ فنقول له: إذا جئت تخوض في هذه المسألة فأعطنا من عندك علماً بالأسحار كيف تؤثر بالأبدان؟ وكيف هي طبيعتها؟ حتى نعلم أن هذا السحر يستحيل أن يأتي للنبي ﷺ.
ثم أثبت أيضاً أن النبي ﷺ سُحر على وجه يتعارض مع الوحي ويتعارض مع الرسالة، فلابد من إثبات القضيتين، والواقع أنه لا يستطيع أن يتكلم ولا أن يخوض في ذلك.
وقد جاءت السنة الصحيحة بإثبات أنه سحر، فنقول: سُحر ﵊، فسيقول لك: كيف يُسحر وهو نبي الأمة؟ فنقول: لا يمنع أن الله يسلط الشياطين عليه لحكمة، ألم تكسر رباعيته ﵊؟ ألم يشج بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فقد سلط عليه ﵊ الألم النفسي، والألم البدني، والألم الروحي، وهذا كله لحكمة، ابتلي بالألم الروحي حتى إن زوجته تُتهم بالزنا، ويمكث النبي ﵊ مدة وهو لا يعلم هل هذا صحيح أو لا، وقد جاء في الصحيح أنه جاء إلى عائشة وجلس عندها وقال: (يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه)، فمن يقول إن النبي ﷺ يعلم الغيب؟! هذا رسول الأمة ﷺ يقف بين الأمة وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، يقول لها: (يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه)، فما استطاعت ﵂ أن تجيبه حتى بكت.
فقد وصل النبي ﷺ إلى هذا الحد، فكان من أعظم الأيام التي مرت عليه، وهذا كله من الأذى، وما من مكروب ولا منكوب ولا مهموم ولا مغموم من أمته -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- يأتيه هم إلا ويجد رسول الله ﷺ قد ابتلي بأضعافه وأشد منه، فيسلو ويقول: إذا كان رسول الأمة ﷺ ابتلي فأين أنا من هذا كله! وأنبياء الله ﷿ من قبل أوذوا وابتلوا، فهذا موسى ﵇ يؤذى في كل شيء، حتى جعل الله وجاهته في الدنيا والآخرة بهذه الأذية ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، سبحان الله! الوجاهة والإنعام على الأنبياء لا يكون لهم ذلك إلا بعد البلاء، وهذا أيوب قال الله عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] الله أكبر! إذا قيل للإنسان: نعم العبد، كيف بالعبد إذا أثنى عليه والده أو شيخه أو أي إنسان له مكانة ووجاهة، فما بالك إذا قالها أصدق القائلين الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين ﷾ يقول: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] لكن متى؟ لما قدم الثمن، لما قدم الدليل، لما جاء بالصبر ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤]، فما جاءت هذه الكلمة ولا جاءت هذه الشهادة من رب العالمين من فراغ، وما جاءت بالتشهي، ولا بالتمني، ولا بالدعاوى العريضة أن يقول الإنسان: إنه موحد، أو أنه صاحب عقيدة، أو إنه صاحب إيمان، أو إنه من الصابرين، أو إنه من المحسنين ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] إذاً لا بد أن تأتي فتن ومحن وبلايا.
ثم أيضاً: إذا جئت ونظرت إلى رسول الأمة ﷺ في حياته كلها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً من الرسالة، لا يخرج من هم إلا ابتلي بما هو أكثر وأعظم منه صلوات الله وسلامه عليه، حتى جاءته سكرات الموت ﵊، فخرج من الدنيا بسكرات الموت، فلو جاء شخص من الناس في يوم من الأيام قد ابتلي بالسحر فقال له شخص: إن النبي ﷺ وقد أوذي وفعل به، فيقول: لكن الذي جاءني من السحر ما أظن أحداً ابتلي بما ابتليت به، لكن إذا علم أن النبي ﷺ سُحر، وأن النبي ﷺ ابتلي بهذا الأمر سلت نفسه وسلت روحه، وعلم أن هذا لا ينقص قدره.
ومن العجيب أن تسلط الشياطين على الإنسان في بعض الأحيان يجعل الإنسان يشك في مكانته عند الله؛ لأنه من المعلوم أن الله يسلط الشياطين عادة على أوليائهم، لكن أهل الطاعة إذا سلط عليهم الشياطين فقد يظن الواحد منهم أن هذا لنقص عنده، أو غضب من الله ﷿ عليه، أو سخط، لكن حينما يعلم أن رسول الأمة ﷺ قد أوذي وسلط عليه وابتلي صلوات الله وسلامه عليه، عندها تسمو نفسه، ويطمئن قلبه، ويثق بالله ﷿.
أيضاً: بسبب هذا السحر وهذا الابتلاء أوحي إلى النبي ﷺ بالمعوذات، وهي من أعظم ما يكون، تقول عائشة ﵂ وأرضاها: (إن النبي ﷺ كان يتعوذ بالله ﷿ بالتعاويذ الشرعية، فلما نزلت عليه المعوذتان لزمهما وترك ما سواهما)، من عظيم ما فيها من الحرز للعبد.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] فما تركت شيئاً في هذا الوجود من الشر إلا وقد استعذت بالله منه، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] أي: من أي مخلوق شر، كلمتان وجملتان ما تركتا شيئاً، لكن متى جاءت؟ جاءت لما ابتليت الأمة وابتلي نبيها ﵊، إذاً فقد صار السحر خيراً على هذه الأمة؟ والله يقول في القذف: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١] في قذف عائشة ﵂، القذف الذي فيه انتهاك للعرض، وفيه بلاء، يقول الله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، فهي أمة مبتلاة؛ ولكن هذا البلاء رحمة، ولا يمكن أن يظهر فضل أهل الفضل وصبر الصابرين ورباط المرابطين، إلا إذا احتكت قلوبهم بالبلاء من رب العالمين، وعندها: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وعندها ينعم الله على عباده فيسلهم من ذلك البلاء كما تسل الشعرة من العجين، وسلم من ذلك كله لطفاً من أرحم الراحمين وكان ربك خبيراً بصيراً، فالله أعلم بخلقه، وأعلم بعباده، ومن يقرأ قصة أيوب ﵇ وابتلاءه وتسليط الله ﷿ للشيطان عليه؛ يدرك كيف أن الله ﷿ يمتحن عباده هذا الامتحان العظيم، ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد.
وعلى كل حال: أعود وأكرر أن المسلم دائماً يلتزم بالتسليم، فلا تدخل في هذه المتاهات، وأوصي أن مثل هذه المسائل الدقيقة لا تقبل من كل أحد، وما يثيره بعض العقلانيين من رد السنن الصحيحة والطعن فيها والتشكيك فيها بناءً على أن عقولهم لا تتحمل، فوالله ليست عقولهم التي تتحمل، وليست نفوسهم التي تتحمل، ولكنها قلوبٌ ران عليها المرض فاستغلقت فما قبلت وما أسلمت وما استسلمت -نسأل الله السلامة والعافية- ولذلك عجز منهم -والعياذ بالله- التصديق لهؤلاء العدول الثقات الذين أجمعت الأمة على قبول رواياتهم فيما صح في الصحيحين وغيره من الأحاديث الصحيحة، فضربوا بها عرض الحائط؛ بل لم يقتصروا على ذلك حتى قالوا بالتشكيك والشبهات؛ لأجل أن يبطلوا حقاً، ويحقوا باطلاً، نسأل الله بعزته وجلاله أن يقطع دابرهم، وأن يخرس ألسنتهم، وأن يكفي المسلمين شرورهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.