اختلاف العلماء في اشتراط النصاب لقطع يد السارق
قال ﵀: [ويشترط أن يكون نصاباً، وهو: ثلاثة دراهم، أو ربع دينار.
أو عرض قيمته كأحدهما، وإذا نقصت قيمته المسروق أو حكمها السارق لم يسقط القطع].
ذهب جمهور العلماء ﵏ ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أننا لا نقطع يد السارق حتى يكون الذي سرقه قد بلغ النصاب، والأصل في ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً) وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ نص على اعتبار النصاب فقال: (في ربع دينار فصاعداً) فدل على أن ما دون ربع الدينار ليس بمحل للقطع، وثبت عنه ﵊ في البستان إذا سُرق منه الثمر بعد أن يؤويه الجرين أنه قال: (فإذا سرق منه بعد أن يؤويه الجرين -الذي هو الحرز- ما يعادل ثمن المجن قطعت يده) فاشترط ﵊ شرطين: الشرط الأول: أن يكون الثمر قد أواه الجرين: وهو بيت الحفظ للثمرة، وهو حرز الثمرة، أما إذا كان على النخلة وسرق فلا قطع.
الشرط الثاني: أن يكون قد بلغ النصاب، فقال: (إذا بلغ ثمن المجن) وقد صح عنه ﵊: أنه قطع في المجن، قالت أم المؤمنين عائشة حينما سئلت عن المجن، قالت: إنّ قيمته كانت ربع دينار على عهد رسول الله ﷺ، وثبت في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
فهذا يدل على أن النبي ﷺ اشترط النصاب للقطع في السرقة، ومن هنا: ذهب الأئمة الأربعة إلى أننا لا نقطع في القليل والكثير، وإنما يشترط: أن يكون المال المسروق قد بلغ نصاباً، واختلف الأئمة الأربعة في قدر النصاب كما سيأتي، لكنهم متفقون على أن النصاب شرط من شروط السرقة.
وذهب الظاهرية ﵏ إلى أنه لا يشترط النصاب، وأن من سرق أي شيء قليلاً كان أو كثيراً؛ فعليه القطع، وهذا مبني على عموم القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، قالوا: إن الله لم يشترط نصاباً، وقالوا: إن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) قالوا: والبيضة لا تعادل ربع الدينار، وأجيب عن الدليلين بما يلي: الدليل الأول وهو قوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)) عام مخصص بالسنة، والقاعدة: أنه لا تعارض بين عام وخاص، وأن العام من النصوص من الكتاب والسنة يجب حمله على الخاص، وحينئذ نقول: إن هذا النص وهو قوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)) قد جاء ما يبين لنا حد السرقة شرعاً في السنة، فلا نعتبر ما دون النصاب سرقة، ولكن نوجب فيه تغريم السارق ضعفي قيمته، كما ثبت عنه ﵊ في حديث السنن، ولا نقطع، فإذا كان دون النصاب فإنه يغرم ضعفي القيمة ويؤدب ويعزر، ولكن لا تقطع يده.
أما بالنسبة لاستدلالهم بحديث: (لعن الله السارق) فأجيب بأن البيضة هي من السلاح، وتكون غطاءً للمقاتل في قتاله، ومنها ما يعادل ثمنه الربع دينار، فمعنى قوله: (لعن الله السارق يسرق البيضة) أي: ما يعادل القطع، والحبل منهم من أجاب: بأن حبل السفن يعادل ربع الدينار، ولكن الأنسب في هذا الحديث أن يجاب عنه من أحد وجهين: الوجه الأول: أن نقول: أنه خرج مخرج المبالغة، وما خرج مخرج المبالغة لم يعتبر مفهومه، يعني: بولغ في الأمر، وليس المراد به اللفظ، مثل قوله: (الحج عرفة) ليس المراد: أنه لا يوجد حج إلا الوقوف بعرفة فقط، وإنما المراد به: المبالغة، وبيان عظم أمر عرفة، وهنا: عظم رسول الله ﷺ السرقة فقال: (يسرق البيضة فتقطع يده)، وهذا على سبيل المبالغة والتبشيع.
الوجه الثاني: أن نقول: إن هذا الإطلاق مقيد بما ورد عن رسول الله ﷺ فيكون المراد به: ما عادل قيمة السرقة.
هذا بالنسبة لمسألة اشتراط النصاب، فالصحيح: أنه لا نقطع اليد إلا إذا بلغ المال المسروق نصاباً، وأن هذه الإطلاقات في الكتاب والسنة مقيدة بما ثبت عن النبي ﷺ، وعليه: فإننا لا نقطع إلا فيما يكون نصاباً.