آية الحجاب
الدليل الثاني: آية الحجاب في سورة الأحزاب أيضاً: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟ ما هي العلة من فرض الحجاب بين الرجال والنساء؟ قال الله تعالى الخالق الذي يعلم من خلق ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] قال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] هذه هي آية الحجاب، وهي واضحة في وجوب احتجاب النساء عن الرجال، ولكن من العلماء من قال: إن هذه الآية خاصة بزوجات النبي ﷺ وحدهن، قلت: إن كانت الآية خاصة بزوجات النبي ﷺ من جهة السبب، فهي عامة من جهة الأحكام، والقاعدة الأصولية تقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو جاء أمر خاص بزوجات النبي ﷺ فقلنا: هو لزوجات النبي ﷺ وحدهن! ولو جاء أمر خاص للنبي ﷺ فقلنا: هو للنبي ﷺ وحده دون سائر المؤمنين! لو كان الأمر كذلك لعطلنا معظم أوامر القرآن، ومعظم نواهي القرآن.
وقد أمر الله نبيه ﷺ في أول سورة الأحزاب بأن يتقي الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] فهل يقول عاقل: إنه لا يجب علينا أن نتقي الله؛ لأن الأمر هنا خاص بالنبي ﷺ؟! وهكذا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم:٩] هل يقول عاقل: إنه لا يجب علينا أن نجاهد الكفار والمنافقين؛ لأن الأمر هنا خاص بالنبي ﷺ؟! وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] هل يقول عاقل: إنه يجوز دخول غير بيوت النبي ﷺ من غير إذن؟! ما هذا؟! إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا ما قال به علماؤنا.
فهنا وإن كان نزول هذه الآيات في زوجات النبي ﷺ الطاهرات، إلا أنها عامة من ناحية الأحكام.
ثم ما هي العلة من فرض الحاجب؟ العلة من فرض الحجاب بنص الآية هو: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] أتدرون لمن هذا الأمر؟ لنساء النبي ﷺ الطاهرات، لأشرف نساء العالمين، ولأطهر نساء الدنيا اللائي تربين في بيت النبوة على يد رسول الله ﷺ، اللائي شربن من نبع الوحي الزلال الصافي، وهن مَن هن؟! هن المطهرات من السفاح، المحرمات علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين، يأمرهن الله بالحجاب حماية لقلوبهن، وطهارة لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحهن! فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلع لهن أهل السفاح؟! هل يجوز أن يخرجن، أو أن يكن سافرات غير منتقبات، وبارزات غير محجبات؟! إن دليل الأولوية في هذه الآية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
فإذا أمرت عائشة بالحجاب فهل يترك غيرها؟! إذا أمرت حفصة بالحجاب طهارة لقلبها، فهل نترك غيرها؟! إذا أمرت أم سلمة بالحجاب طهارة لقلبها، فهل نترك غيرها؟! إذا أمرت سودة وزينب وغيرهن ﵅ بالحجاب فهل نترك غيرهن؟! إن دليل الأولوية واضح في هذه الآية، وهذا المسلك في القرآن معلوم عند أهل الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، إن الأمر بين واضح، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].