شفاعته لأهل المحشر ﵊
وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم، والإمام أبو داود، والإمام أحمد من حديث أبي هريرة -أيضاً- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع ومشفع يوم القيامة).
ففي يومٍ يا عباد الله! يزداد همه وكربه على جميع الناس حتى على أنبياء الله ورسله جل وعلا (تدنو الشمس من الرءوس فتغلي رءوس لحرارتها -والعياذ بالله- ويؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها).
كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود.
فإذا ما رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب الله جل وعلا، فحين يراها الخلائق بهذه الكيفية وهذا الحال لا يقوى مخلوق على أن يقف على قدميه فيخر كل مخلوق جاثياً على ركبه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] في هذا اليوم العصيب الرهيب يزداد الهم والكرب على خلق الله، وعلى عباد الله، فيقول بعض الناس لبعض -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد وهذا لفظ أحمد من حديث أبي هريرة - يقول بعض الناس لبعض: (ألا ترون ما نحن فيه، ألا ترون ما قد بلغنا، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم ﵇، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله ﷿ وطردت من الجنة بمعصيتي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحاً ﵇ ويقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح ﵇: إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كان لي دعوة فدعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم الخليل.
فيأتون إبراهيم ﵇، فيقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الله، وأنت رسول الله، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول إبراهيم ﵇: إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، ثم يذكر كذباته الثلاث -التي شرحناها في اللقاء الماضي كما صح بها الحديث في البخاري ومسلم - ثم يذكر كذباته الثلاث ويقول: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى ﵇ ويقولون: يا موسى! أنت رسول الله، اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول موسى ﵇: إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون عيسى ﵇ ويقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول عيسى ﵇: نفسي نفسي نفسي -ولم يذكر عيسى شيئاً- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ.
يقول الحبيب ﷺ: (فيأتوني في أرض المحشر، فيأتوني يوم أن قال كل رسول: نفسي، ويوم أن قال كل نبي: نفسي، -يقول ﷺ: فيأتوني ويقولون: يا رسول الله! أنت خاتم الأنبياء، وأنت رسول الله، خلقك الله ﷿ وفضلك على جميع الأنبياء، فغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى ما نحن فيه يا رسول الله! ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك).
يقول الحبيب ﷺ: (فأقوم وأقول: نعم، أنا لها أنا لها، فآتي تحت عرش الرحمن وأخر ساجداً لله جل وعلا، فيفتح الله عليَّ بمحامد ويلهمني من الثناء ما لم يفتح به على أحد قبلي، فينادي عليه الحق جل وعلا ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول الحبيب: يا رب! وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك، فيقول الله تعالى: قد شفعتك يا محمد، ارجع فإني آتيكم لأقضي بينكم).
وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
(يا ربي لقد وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك) وهذه هي أعظم شفاعات المصطفى ﷺ، فيشفع الحبيب لجميع الخلق في أرض المحشر ليقضي الله جل وعلا بين خلقه وعباده، فهو حبيب الله، وهو خليل الله، وهو أكرم الخلق على الله جل وعلا.