النبي ﷺ يصلح بين الناس
وفي سنة النبي ﷺ الفعلية محاولاتٌ وعملٌ دائبٌ منه ﷺ في الإصلاح بين الناس، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: (أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم) أمر أصحابه أن يذهبوا للإصلاح بينهم، وعنون عليه البخاري ﵀: باب قول الإمام لأصحابه اذهبوا بنا نصلح.
بل إن النبي ﷺ كان يذهب في الإصلاح ولو بعدت المسافة وفاته شيءٌ من الجماعة لأجل الإصلاح بين الناس، كما روى البخاري ﵀: أن بني عمرو بن عوف بـ قباء كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم ﷺ في أناسٍ من أصحابه، فحبس رسول الله ﷺ وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر ﵁، فقال: يا أبا بكر إن رسول الله ﷺ قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر ﵁، فكبر بالناس، وجاء رسول الله ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقاً حتى قام في الصف فأخذ الناس في التصفيح الحديث.
تأخر ﵊ عن صلاة الجماعة وذهب إلى قباء للإصلاح بينهم، كان ممشى خير وأجراً عظيماً، وندب إلى ذلك أصحابه، وكان ﵊ يشير على المتخاصمين بالصلح.
فعن عائشة ﵂ قالت: (سمع رسول الله ﷺ صوت خصومٍ بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهم يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء -يقول: دع لي من أصل المال- والآخر يقول: والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله ﷺ، فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله! فله أي ذلك أحب) وعظه ﵊ فقال: أين الذي يحلف بالله ألا يفعل الخير؟ فاستحيا الرجل وقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب، أي: فما أراده من عفو عن بعض المال فأنا راضٍ به، فكان ﵊ يعظ في أمر الصلح ويرغب فيه، ويعط من رفض الصلح، كما وعظ الذي الذي حلف بالله ألا يقبل بعرض خصمه عليه.
وكذلك جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى: (أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج رسول الله ﷺ إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن مالك، فقال: يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر -أي: تنازل له عن النصف- فقال كعب: قد فعلتُ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ للخصم الآخر: قم فاقضه).
فكان ﵊ يشير بالصلح، وقد رأى هذا لا يستطيع الوفاء، والآخر يلح في الطلب، فطلب من أحدهما أن يتنازل عن شيء، وطلب من الآخر أن يقضيه الباقي، وهكذا كان ﷺ يفعل، وهذه سياسته في أصحابه.