سلمان الفارسي عند وفاته
ولما حضر سلمان الفارسي الوفاة، جعل يبكي، فقيل له: (ما يبكيك؟ ألست فارقت رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ؟ فقال: والله! ما بي جزع من الموت، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً يكن متاع أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، وهذه الأسودة حولي) كأنه يقول هذا الأثاث والمتاع حولي لم أمتثل للعهد، قال: [فلما مات، نظروا في بيته، فلم يروا في بيته إلا إكافاً ووطاءً ومتاعاً قُوِّم بنحو عشرين درهماً] كل ما يملكه بعشرين درهماً، فانظروا يا عباد الله! كم عندنا من الأثاث في بيتنا، وروى ابن سعد في الطبقات من طرق عدة عن الشعبي، قال: [لما حضرت سلمان الوفاة، قال لصاحبة منزله وهي زوجته: هلمي خبيَّتي الذي استخبأت فيه، قالت: فجئته بصرة مسك، فقال: ائتيني بقدح فيه ماءٌ فنثر المسك فيه، ثم ماسه بيده، ثم قال: انضحيه حولي، فإنه يحضرني خلقٌ من خلق الله يجدون الريح ولا يأكلون الطعام، ثم اجفئي عليَّ الباب وانزلي قالت: ففعلت، وجلست هنيهةً، فسمعت هسهسةً، قالت: ثم صعدت، فإذا هو قد مات].
وعن الشعبي، قال: [أصاب سلمان صرة مسكٍ يوم فتحت جلولاء، فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة، قال: هاتي هذه المسكة فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتي زوارٌ الآن قالت: ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قبض] وقال الشعبي أيضاً: [حدثني الجزل عن امرأة سلمان بقيرة أنه لما حضرته الوفاة، دعاني وهو في عليّة له -تقول زوجته: لها أربعة أبواب- فقال: افتحي هذه الأبواب يا بقيرة، فإن لي اليوم زواراً لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون عليَّ، ثم دعا بمسك، فقال: أديثيه في تنور ففعلت، ثم قال: انضحيه حول فراشي، ثم انزلي، فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي، فاطلعت فإذا هو قد أخذت روحه، فكأنما هو نائم في فراشه].