استدراك ما فات
وكذلك من النقاط في هذا الموضوع المهم جداً؛ لأننا لا يمكن أن ننتصر على عدو ولا أن نواجه بدون عبادة، فمن النقاط استدراك ما فات منه، فعن عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل).
وعن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها، وكان إذا فاته القيام من الليل -بسبب مثلاً غلبته عيناه بنوم أو وجع- صلى ثنتي عشرة ركعة من النهار] يعني: كان يشفع وتره، أي: يزيد ركعة.
وفي رواية: (كان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) ومن الأدلة كذلك: أن أم سلمة -والقصة في صحيح البخاري - جاءها ضيوف من الأنصار، فدخل النبي ﵊ وصلى ركعتين، وهي عندها ضيوف، وكانت لا تريد تركهم، فقالت للجارية: اذهبي إليه فقومي بجانبه فقولي له: تقول لك أم سلمة: إنك نهيت عن الركعتين بعد العصر، وأراك تصليهما، فإن أشار إليك فتأخري عنه، فجاءت الجارية ووقفت بجانب النبي ﷺ وهو يصلي فقالت له هذا الكلام، فأشار إليها فتأخرت الجارية وذهبت، وبعدما فرغ من صلاته جاء إلى أم سلمة فقال: (يا ابنة أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس -أي: بعد الظهر- فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر -السنة الراتبة بعد الظهر- فهما هاتان) هل تركها النبي ﷺ؟ لا.
وإنما صلاها، وفي هذا الحديث فوائد منها: جواز تكليم المصلي لحاجة وأن الذي يكلم المصلي يقوم بجانبه، لا يتقدم ولا يتأخر.
وكذلك: جواز الإشارة في الصلاة.
وفوائد كثيرة أخرى ذكرها الحافظ ﵀ في الفتح، الشاهد أنه قال لها: (يا ابنة أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) وفي رواية: (وكان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهن بعده) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
وهذه الأحاديث تدل على مشروعية قضاء السنن الرواتب، وتدل على مشروعية قضاء صلاة الليل، فقد ذكر ابن القيم ﵀ في صومه ﷺ شعبان أكثر من غيره، لماذا كان ﵊ يصوم أكثر شعبان؟ حتى قالت: بل كله، ذكر ثلاثة أسباب في تعليقه على سنن أبي داود، وابن القيم له تعليق نفيس جداً على سنن أبي داود مطبوع مع شرح الخطابي، يقول: ليس فقه ابن القيم في زاد المعاد فقط، بل في هذا الكتاب فقه عظيم.
يقول: من أسباب إكثار النبي ﷺ من الصيام في شعبان: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فكان ربما شغل عن الصيام أشهراً فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض، كأن يخرج في سفر أو في جهاد أو أنه قد يمرض فلا يصوم ثلاثة أيام من الشهر التي كان يصومها وهو متعود عليها، فكان يقضيها في شعبان.
وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان -وهذا معروف- فلما فاته الاعتكاف مرة لعارض السفر، اعتكف في العام المقبل عشرين يوماً، ولذلك عنون عليه البخاري: الاعتكاف في العشر الأواسط، يعني: أن الاعتكاف في العشر الأواسط، من رمضان -أيضاً- مشروع، إذاً: النبي ﷺ كان إذا فاته شيء لا يضيعه ويتركه لفواته وإنما كان يستدركه، وهذا الاستدراك مهم في الاستمرار على العبادة، والحمد لله أن الشريعة فتحت لنا باب الاستدراك، حتى يحس الإنسان أنه عوض شيئاً فاته.