رفق الرسول ﷺ بالناس
قصة الرجل الذي بال في المسجد معروفة لديكم، وقصة الرجل الذي تكلم في الصلاة، وقصة الرجل الذي قال له: لا أحسنت ولا أجملت، والرجل الذي جذبه بحاشية ردائه -أي: البرد -حتى أثر ذلك في صفحة عنقه ﷺ، ماذا كان موقفه؟ وزيد بن سعنة الذي جاء وقال: إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، أنا أعطيتك وأقرضتك وأنت ما وفيت، وأغلظ عليه، فما زاده ﷺ شدة الجهل عليه إلا حلماً.
حتى لقد كان ذلك اليهودي يترقب أن يظهر منه ﵊ هذا الأمر فظهر على حقيقته، ونهى عمر عن التغليظ على هذا الرجل، وأمر بوفاء الدين، وأمر بأن يعطى عشرين زيادة على ما اقترضه منه مقابل الترويع، وهذا الحديث الذي أخرجه أبو الشيخ في أخلاق الرسول ﷺ وغيره، وقد ذكر الحافظ ﵀ في الإصابة أن رجاله ثقات وفي أحدهم اختلاف بين ابن المديني وابن معين وابن أبي حاتم رحمه الله تعالى، ولكن له شاهد آخر.
والشاهد من الكلام كله: أنه ﷺ في دعوته للناس كان رفيقاً رحيماً، وقال ﷺ: (إن شر الرعاء الحطمة) أخرجه أحمد ومسلم.
والحطمة هو العنيف، والرعاء جمع راعي ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣] الذين يرعون الغنم أو الإبل، (إن شر الرعاء الحطمة) من هو الحطمة الذي هو شر الرعاء؟ قال شراح الحديث: هو العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد والإصدار، إذا أوردها الماء وأصدرها عنه وساقها إلى مكانها أو رعاها، ويلقي بعضها على بعض يعسفها ويشتد عليها ويقسو، هذا شر الرعاء.
ضربه الرسول ﷺ مثلاً لوالي السوء، هذا الحديث له قصة: دخل عائض بن عمرو على عبيد الله بن زياد، وكان عبيد الله بن زياد ظالماً شديداً على الناس، وعائض بن عمرو صحابي ﵁ فقال: (يا بني! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم -هذا الوالي ظالم قليل أدب- قال له: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ قال: أنت من النخالة، لماذا؟ لأن الصحابي هذا تأخر إسلامه، قال: أنت ما صاحبت أنت من النخالة، سوء أدب مع الصحابي.
فقال عائض ﵁: (وهل كان لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم).
فالداعية لا يكون حطمة مع المدعوين، لا يعسفهم ولا يشتد عليهم، وإنما يكون رفيقاً بهم.