صفة ضحك النبي ﷺ
الآن نتعرف على صفة ضحك النبي ﷺ، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ أنه قال: (ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ، ومن طريقٍ أخرى عنه قال: (ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسماً)، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، لا رآني إلا ضحك) أي: تبسم، لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وقد قلنا سابقاً: إن الضحك يُطلق على التبسم، وإن كل تبسمٍ في اللغة هو ضحك، وكان النبي ﷺ أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاماً، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقاً، قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في فصلٍ يتعلق بهديه ﷺ في كلامه وسكوته وضحكه: "وكان يضحك مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويستغرب"، كان يضحك من الشيء الذي يدعو للضحك، لكن كان غالب ضحكه ﵊ تبسماً، والأشياء التي يُضحك منها فسرها ﵀ بقوله: "وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب"، وستأتي شواهد لهذا.
وعقد الترمذي ﵀ في كتاب الشمائل المحمدية: باب ما جاء في ضحك رسول الله ﷺ، وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث الصحيحة منه، وكان النبي ﷺ مما جاء عنه أنه ربما جلس في مجلسٍ وفيه بعض أصحابه، فذكروا أشياء مما يُضحك منها فتبسم ﷺ، كما جاء في صحيح مسلم: عن سماك بن حرب قال: قلت لـ جابر بن سمرة: (أكنت تجالس رسول الله ﷺ؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون) أي: حصل في بعض المجالس أنهم كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم.
مثال على هذه الأشياء: أنه ربما ذكروا قصة الرجل الذي كان يجعل صنماً من تمرٍ يزعم أنه إلهه فأينما حل وارتحل جعله معه، وأنزله معه يسجد له، فإذا جاع أكل منه، فهذا مما كان يتبسم منه ﷺ، وربما كان في بعض أصحابه أناس من الظرفاء الذين عندهم طبعٌ فيه مزاحٌ وظرفٌ، فكان ﵊ يضحك مما يحصل منهم من هذه الظرف، كما جاء في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب على عهد النبي ﷺ: (أن رجلاً كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ فإذا وجد في طلاب أو جلساء العالم من عنده روح الدعابة والطرفة، فإذا حصل عند العالم أو هذا الشخص القدوة شيءٌ من الضيق أدخل على نفسه شيئاً من السرور بإضحاكه بحق، وهذا لا بأس به.