أقسام الناس في تلقي الكتاب والسنة
قال ﵊ في حديث أبي موسى عند البخاري ومسلم: ﴿مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ ولم يقل ﷺ: مثل المطر؛ لأن المطر إذا أطلق غالباً أطلق على العذاب، قال ﷾: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل:٥٨] ولماذا قال: (مثل ما بعثني) ولم يقل: أرسلني؛ لأنه إذا ذكر المعتقد في الغالب ذكر البعث، وإذا ذكرت العبادات التفصيلية ذكر الإرسال.
وقال: (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم) فذكر العلم والهدى، مع أن العلم يشمل الهدى والهدى يشمل العلم؛ لأن الهدى هنا هو العمل، والعلم هو القول: واليهود أهل قول بلا عمل، والنصارى أهل عمل بلا اقتداء؛ ولذلك غضب الله على من تعلم ولم يعمل، وأضل الله من عمل بلا علم، قال الله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧].
فالرسول ﷺ جمع بين الطريقتين فقال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً﴾ قال القرطبي: إنما شبه ﷺ -وهذا في فتح الباري - إنما شبه ﷺ الوحي بالغيث بجامع وجه الشبه وهو الصفاء، والأمر الثاني أن الأرض تحتاج إلى الغيث، فحاجة القلوب إلى الوحي كحاجة الأرض إلى الغيث بل أحوج ولذلك قال ﷾: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٦ - ١٧].
ثم عُلم من هذا الحديث أنه ﷺ قسم الناس ثلاثة أصناف:
قال: ﴿فكان منها أرض طيبة نقية، قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أرض حبست الماء؛ فنفع الله بها الناس؛ فسقوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي أجادب، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من نفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به﴾ وقد سبق شرح هذا الحديث، وشاهدنا منه: أن الرسول ﷺ جعل الناس ثلاثة أقسام: قسم استفاد وأفاد، وقسم استفاد ولم يؤثر، وقسم لا استفاد ولم يؤثر، وإنما هو كالخشب المسندة لا تعي ولا تعقل.
فقل للعيون الرمد للشمس أعين تراها بحق في مغيب ومطلعِ
وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي
أما ابن مسعود ﵁ -كما في صحيح البخاري - يفتتح كلامه بقوله: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ.
فالهدي عمل، والحديث قولٌ، فجمعت طريقته ﷺ فصارت قولاً مهدياً مسدداً، وعملاً مرضياً متقرباً به إلى الله ﵎.