السلف الصالح والتفكر
وتحت كل جملة من هذه الجملة عبر ومعانٍ عظيمة لا نستطيع أن نأتي عليها، وإنما نشير بما فتح الله ﵎ به علينا، حاثين أنفسنا وإخواننا جميعاً على تدبر كلام رسول الله ﷺ، ولا سيما هذه الوصايا الجامعة المانعة.
ولا نتعجب من قول ذلك العالم في هذا الحديث، فقد قرأت منذ أمد ليس بالطويل أن الإمام العابد الزاهد أبا سليمان الداراني -رحمه الله تعالى- نادى غلامه أحمد بن أبي الحواري فقال له: ائتني بماء، فجاءه بماء ليتوضأ لقيام الليل، يقول أحمد بن أبي الحواري: [[فلما أذن الفجر، أذن وهو على حاله، ويده في الإناء ولم يرفعها ولم يتوضأ! فقلت له: الصلاة رحمك الله! أذن الفجر]] أي أنه طوال كل هذه الليلة كان يتفكر في حاله مع الله ﷿، تفكر فنسي واستغرق ولم يفعل شيئاً، وهذا التفكر هو عبادة.
أقول: لا نستغرب أن من تدَّبر وتفكَّر وأمعن النظر قد يحدث له شيء من هذا، فمثلاً: عندما تأملت هذا الكلام وتعجبت منه تذكرت أن الرسول ﷺ لما ذكر قصته مع ابن عبد ياليل وما جرى له من الأذى، فقال: ﴿انطلقت هائماً على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بـ قرن الثعالب!﴾.
وهو ﷺ أقوى الناس زماماً، وأثبتهم نفساً، لكن الهمّ الذي ركبه واستغراق التفكير جعله يمضي وينطلق ولا يفيق إلا وهو في قرن الثعالب، واستغراق التفكير في المشي والسير أعظم منه والإنسان جالس.