علاقة العلم بأعمال القلوب
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: نسأل من الله الكريم رب العرش العظيم أن يمنَّ علينا بحلاوة الإيمان وبرد اليقين، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يحسن عاقبتنا في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.
فبعد أن تكلمنا عن أهمية عمل القلب، نتكلم في موضوع آخر متعلق بأعمال القلوب وهو موضوع عظيم جداً لمن فقهه الله ﵎ في الدين، وهو غاية المتقين وغاية العباد، التي سَمر لها المجتهدون، وتنافس فيها المتنافسون، والتي بها يتفاوت الخلق أجمعون، ألا وهو: اليقين.
وقد يُسأل لِمَ بدأتم باليقين قبل غيره من أعمال القلب؟ فنقول: إن أعمال القلب وهي بالأهمية والمثابة التي تحدثنا عنها في الدرس السابق من سلسلة أعمال القلوب وبينا فضلها وقدرها وعظيم شأنها، وأهميتها، وهي في حقيقتها تبدأ جميعاً بعمل واحد ألا وهو العلم.
فالعمل الذي تبدأ به أعمال القلوب جميعاً هو العلم.
ولذلك الإمام البخاري ﵀ جعل ترجمة في صحيحه: ' باب العلم قبل القول والعمل وقول الله ﵎: ﴿فَاْعلَمْ أَنَّهُ لاْ إِلَه إِلاْ الله وَاْسّتَغْفِرْ لِذَنْبِك﴾ [محمد:١٩] ' فأول ما يطرق قلب المؤمن من معرفة الرب ﵎ والإيمان به هو العلم، وهو أن يعلم أنه لا إله إلا الله، وهذه هي شهادة الحق التي فسر بها بعض السلف قول الله ﵎ ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وهي: الصدق الذي فسر به بعض السلف أيضاً قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وهي أيضاً الكلمة الباقية التي يفسر بها قول الله ﵎: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨].
العلم بأنه لا إله إلا الله، والعلم بأن الله ﵎ حق، وأن النار حق، وأن الجنة حق، وأن البعث بعد الموت حق، وأن الرسل حق، وكل ما أخبر الله ﵎ به أو أخبر به رسوله ﷺ من أمر الغيب حق.
لكن هذا العلم أو هذه المعرفة بالله ﵎، تخرج الإنسان إذا اعتقدها اعتقاداً جازماً عن الشك وعن الريب، كما قال الله ﵎: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] فهذه تخرج الإنسان عن حد الريب والشك والظن ليصبح مؤمناً بالله ﵎.