شجاعة جعفر بن أبي طالب ﵁ وإقدامه
وأما وقفتنا الأخيرة والأثيرة ومحطتنا الختامية فهي مع الشجاعة والإقدام، وهنا بيان لمعرفة النبي ﷺ للصحابة، وإرادته إظهار المناقب والمراتب لبعضهم، فإن جعفراً ﵁ كان في الحبشة وقتاً طويلاً، فلم يشهد غزوة بدرٍ ولا أحد ولا الخندق ولا الحديبية ولا خيبر، لكنه وافى مع الصحابة خيبر، فقسم له النبي ﵊ من غنائم خيبر.
وأول معركة أو غزوة عظيمة كانت بعد ذلك جعل النبي ﷺ جعفراً من قادتها، وهذه المعركة الشهيرة هي التي سميت غزوةً واشتهرت بأنها غزوة وإن كان النبي ﷺ لم يشارك فيها، وهي غزوة مؤتة، وهي أول تحرك عسكري للمسلمين خارج الجزيرة العربية، وخارج المواجهة مع العرب وقبائل العرب لمقاتلة ومنازلة الروم، وهي الغزوة الوحيدة التي أمَّر فيها النبي ﷺ ثلاثة أمراء، وهي الغزوة الوحيدة التي نص النبي ﷺ على نتيجتها وخبرها وحياً وقت وقوعها قبل عودة الصحابة ورجوعهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد أمَّر النبي ﷺ عليهم زيد بن حارثة وقال: (فإن قتل فـ جعفر بن أبي طالب، فإن قتل ف عبد الله بن رواحة) والنبي ﷺ كان يدرك عظمة هذه المواجهة.
فالمواجهة كانت عجيبة إذ كان عدة جيش المسلمين ثلاثة آلاف، وأقل عددٍ ذكر في الروايات لجيش الروم أنه كان ثلاثين ألفاً، أي: عشرة أضعاف، وفي بعض الروايات: مائة ألف، وفي بعضها: مائتا ألف.
فما هي النتيجة المتوقعة لعشرة أضعافٍ من الجيش يقابلون عشرهم مع قلة الزاد والعتاد، وطول السفر والشقة؟ من المفترض أن لا يأخذوا إلا سويعة من الزمان فيفنوهم عن بكرة أبيهم.
ولست بصدد الحديث عن الغزوة، ولكني أقول: ما نتيجتها في آخر الأمر؟ وكم عدد الذين استشهدوا في غزوة مؤتة من هذا العدد الذي كان يبلغ ثلاثة آلاف؟ أظن أن أكثرنا لا يستحضر الرقم، وقد يتعجب منه كثيراً.
لقد كان شهداء غزوة مؤتة اثني عشر شهيداً، ربعهم قيادة الجيش، القواد الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث لم تكن القيادة بمعزل، بل كانت في مقدمة الصفوف، ثم كيف تسنى لهم أن يواجهوا الجيش حتى يفصل عنهم؟! ثم ولوا خالد بن الوليد كما أخبر النبي ﵊، وكما وقع به الحال، ثم استطاعوا أن ينسحبوا انسحاباً عسكرياً قوياً، ولم يكن انسحاب هروب أو فرار، بل كانوا هم الكرار؛ إذ لو كان انسحاب هروبٍ لكان انسحاباً متعثراً مرتبكاً، ولكان مغرياً للأعداء أن يلحقوا بهم وأن يبيدوهم، لكن الأعداء قد رأوا الهول فاكتفوا بأن انسحب المسلمون من أمامهم، ورأوا أن هذه فرصة عظيمة لهم أن لا يواجهوا هؤلاء الناس الذين كانوا يحبون الموت أكثر من حب أولئك للحياة.
وهنا وقفاتنا مع جعفر ﵁.
قاتل زيد حتى استشهد، فحمل الراية جعفر ﵁، وقاتل قتال الأبطال، كما قال بعض الصحابة: (والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها ثم تقدم حتى قتل ﵁.
ومن هنا ذكر أصحاب السير -وأولهم ابن إسحاق: أن أول من عقر في الإسلام هو جعفر بن أبي طالب.
أي أنه لما كانت المعركة بكثافة جيش العدو، وليس فيها مجال لركض الخيل، وكانت فرسه تعيقه عن ذلك نزل عنها فعقرها، ثم قاتل ﵁ واقفاً على قدميه، وقطعت يده اليمنى فحمل الراية بيسراه، فقطعت يسراه، ثم خر شهيداً ﵁ وأرضاه.
وإليك هذه الروايات التي ذكرنا فيها رواية عقر فرسه، وقد رواها أبو داود في السنن، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنه لما قاتل جعفر قطعت يداه، والراية معه لم يلقها، فقال رسول الله ﷺ: (أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة)، ولذلك سمي بالطيار، وسمي بذي الجناحين.
وصح عند البخاري من حديث ابن عمر ﵁ أنه كان إذا رأى عبد الله بن جعفر قال: (يا بن ذي الجناحين، يا بن ذي الجناحين) يعني ما ورد في حديث النبي ﷺ.
وخذ هذه الرواية، وهي رواية قد كثرت في كتب السيرة وفي كتب السنة على اختلاف فيها، قال الراوي: ولما قتل وجد به بضع وسبعون جراحة، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح كلها فيما أقبل من بدنه.
وقيل: بضع وخمسون.
والأول أصح، كما قال ابن عبد البر: بضع وسبعون ما بين ضربةٍ وطعنة كانت في مقدمة جسمه.
وذلك دليل شجاعة وإقدام وثبات وقوة إيمانٍ ويقينٍ وفروسية كانت لـ جعفر ﵁ وأرضاه.
وفي رواية ابن إسحاق: (قص النبي ﷺ القصة في وقتها) أي: في وقت حدوثها.
وهي رواية بألفاظ أخرى في الصحيح أيضاً، فلما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ: (أخذ الراية زيد فقاتل بها حتى قتل شهيداً.
ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه كان في عبد الله بن رواحة ما يكرهون، فقال ﵊: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم قال: لقد رفعوا في الجنة على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله ضراراً عن سريري صاحبيه، فقلت: عمَ هذا؟ قيل: مضيا وتردد) أي: تردد عبد الله ثم مضى، وإنما تردده ﵁ ليس خوفاً على نفسه، وإنما خوفاً على المسلمين، وإلا فلـ عبد الله بن رواحة في أول المعركة ما يدل على هذا، فعندما وصل المسلمون إلى مؤتة وعلموا ضخامة الجيش الذي ينتظرهم وقفوا يتشاورون: ماذا نصنع؟ فقال بعضهم: نرسل إلى رسول الله ﷺ حتى يمدنا بمدد.
فقال عبد الله بن رواحة: (والله للتي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون -أي: الشهادة في سبيل الله- فامضوا لما أمركم رسول الله ﷺ، فثبتهم وحضهم ﵁، فما كان ليتردد خوفاً أو جبناً –حاشاه-، وإنما كان يفكر في أمر المسلمين إذا هو أقدم واستشهد كيف قد يضطرب حالهم، ثم مضى لأمره ولما ولاه إياه رسول الله ﷺ، فاستشهد، فكان لتردده أثرٌ.
ووردت الرواية عند ابن إسحاق -وهي مما سبقت إشارتنا إليها- أن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليَّ رسول الله ﷺ، وقد عجنت عجيني وغسلت بنيَّ ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله ﷺ: (ائتيني ببني جعفر.
فأتيته بهم، فشمهم، ودمعت عيناه، قالت: فقلت: بأبي وأمي ما يبكيك يا رسول الله؟! أبلغك عن جعفر وأصحابه شيءٌ؟ قال: نعم.
أصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح وأجمع النساء، ورجع رسول الله ﷺ وهو يقول: لا تغفلوا آل جعفر؛ فإنهم قد شغلوا).
وروي أيضاً أنه لما جاء ذلك قال: (على مثل جعفر فلتبك البواكي)، وقد أخبر ﵊: أنه قد ضرج بالدم، وأنه يطير بجناحين مخضبين بالدم في الجنة، وفي هذا إشعار بما كان له من فضل وإقدام في جهاده في سبيل الله ﷿.
وفي شجاعته أيضاً ذكر الرواة ما ذكروا من هذا الأمر، ومن ذلك رواية عقره لفرسه، ذكرها -أيضاً- الذهبي في سيره، وهي مروية بإسناد رجاله ثقات.
وقد وردت أيضاً رواية أبي هريرة عند الترمذي في سننه عن رسول الله ﷺ قال: (رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة)، قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه من يضعف.
وقد ذكر العلماء رواياتٍ عديدة في هذا الشأن، ساق منها ابن حجر ﵀ قول ابن عمر لابن جعفر بن أبي طالب: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) ثم قال شارحاً: كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله ﷺ: (هنيئاً أبوك يطير مع الملائكة في السماء) أخرجه الطبراني بإسناد حسن.
ثم ذكر ابن حجر طرقاً عن أبي هريرة وعلي وابن عباس، وقال في طريق ابن عباس: (إن جعفراً يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه) قال: وإسناد هذه جيد –أي: إسناد هذه الرواية جيد-، وهذه الرواية مسوقةٌ سياقاً آخر من حديث ابن عباس: (بينما رسول الله ﷺ جالسٌ وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال: يا أسماء! هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر بي فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا، فسلم، فردي ﵇، وقال: إنه لقي المشركين فأصابه في مقادمه ثلاثة وسبعون، فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت، فأخذه بيده اليسرى، فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة يأكل من ثمارها)، وهذا مما وردت به روايات يعضد بعضها بعضاً.