الحجاب: تعريفه وتشريعه
يقول الحق ﷾ في آيات الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩].
الحجاب: في لغة العرب معناه: الستر، يقولون في كل ما حال بين شيء وشيء: إنه حجاب.
ومن معاني الحجاب أيضاً: المنع، وسمي الحجاب حجاباً لمنعه رؤية ما وراءه، ومنه الحاجب الذي يمنع الناس من الدخول إلا بإذن.
فالحجاب أصلاً في لغة العرب: الستر الذي يحول بين شيء وآخر، ويمنع الشيء من البلوغ إلى الشيء، وهذا القرآن العظيم تنزل بلغة العرب كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥].
وهذه الآية من أظهر الآيات الدالة على تشريع الحجاب، وعمومه على جميع نساء المؤمنين.
وهي الآية التي اشتهرت عند أهل العلم عموماً والمفسرين خصوصاً بأنها آية الحجاب، قال القرطبي في تفسيره في بيان معنى الجلابيب: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) قال: والصحيح أنه -أي: الجلباب- الثوب الذي يستر جميع البدن، وقال ابن حزم في المحلى: هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه، وقال ابن كثير في تفسيره: الجلباب: هو الرداء فوق الخمار، ونقل في تفسيره عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، وقال السعدي في تفسيره: أي: يغطين وجوههن وصدورهن.
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) لفت إلى الخطاب الأعظم للرسول الأكرم ﷺ، وكثيراً ما كانت التشريعات توجه بالصيغة المباشرة بالتوجيه والنداء الرباني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولكنها في آية الحجاب جعلت الأمر بهذا الحكم موكولاً إلى النبي ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، فلماذا؟ لأن الله جل وعلا أراد أن يكون مثل هذا الأمر مباشراً وقريباً ومطبقاً ومراعاً؛ لأنه يدخل في صلب الحياة الاجتماعية، وهو وإن كان تشريعاً خاصاً بالمرأة إلا أنه سمة للمجتمع، ولذلك أوكل هذا إلى رسول الله ﷺ بصفته حاكماً وولياً لأمر المؤمنين، وراعياً لشئونهم، وقائماً على أمور الإسلام والتشريع في حياتهم الاجتماعية، ثم جاء الأمر بالأولى والأعظم؛ ليكون أكثر تأثيراً في القدوة التي أمرنا بها في شأن رسول الله ﷺ، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ)؛ لتكون القدوة أعظم، وهو سيد الخلق ﷺ، وأعظم الأمة التزاماً بشرع الله وحري وبدهي أن يكون إلزامه لأهله ولآل بيته بتشريع الله ﷿ أسبق وأعظم وأظهر.
قوله تعالى: (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) وذلك للتأكيد على هذا العموم، وعلى أن القدوة في هذا تكون للرسول ﷺ بما يكون في أهله وبيته، وليظهر أيضاً أن أمر الحجاب في نساء المؤمنين دلالة إيمان وتقوى، إذ لما أمر به أزواج النبي ﷺ وبناته -وهن الأسمى والأعلى من نساء المؤمنين- دل ذلك على أن التزام ذلك هو دليل على أنه رتبة أعلى في الأخذ بأمر الله ﷿، وفي الالتزام بهذا الدين، والاقتداء بالرسول الكريم وأزواجه أمهات المؤمنين.
إن هذه الآية واضحة الدلالة، وصريحة الألفاظ، وأهل العلم من المفسرين والفقهاء قد بينوا مثل هذه الدلالة، وجاءت الأحاديث تبين لنا كيف كان الالتزام والعمل بهذه الآية، فروى عبد الرزاق في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره عن أم سلمة ﵂ قالت: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان، وعليهن أكسية سود يلبسنها.
وذكر السيوطي أن ابن مردويه روى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: رحم الله نساء الأنصار! لما نزلت هذه الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله ﷺ كأن على رءوسهن الغربان.
قولها: (شققن مروطهن) وذلك أنه لم يكن لديهن ألبسة وأكسية كثيرة، فلم يكن هناك لباس للظهيرة ولباس للسهرة كما هو حالنا، لكن لما تنزلت الآيات بالحجاب، وأن يدنين عليهن جلالبيبهن، عمدن إلى المروط فشققنها، واعتجرن بها وأسدلنها؛ امتثالاً لأمر الله، فهكذا تكون المرأة المؤمنة سريعة الاستجابة، وترى ذلك تحقيقاً لإيمانها، وتأكيداً لإسلامها، وإظهاراً لفضيلتها، وإعلاناً لعفتها، وبياناً لشرفها ورفعتها، ولا تراه -كما يرجف به المرجفون- تقييداً لحريتها، وغمطاً لشخصيتها، وكبتاً لحركتها وحريتها.
علينا أن نمتثل لهذا الأمر لأننا قوم نرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ولا نلتفت لمن يخالف قوله قولهما، مهما كان ذكره أو عظمته؛ لأن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ فوق كل أحد.
ويقول الله جل وعلا في آية أخرى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، والآية في سياق خطاب أزواج النبي ﷺ، ومن هنا جاء بعض الجهلة وأهل الأهواء: إما عن غفلة وعدم علم وبصيرة، وإما عن مكر وخبث وكيد، فقالوا: إنما جاء تشريع الحجاب خاصاً بأزواج النبي ﷺ؛ لمكانتهن وشرفهن دون بقية وسائر نساء المسلمين! وقبل أن نطيل القول في هذا فقد مرت بنا الآية من قبل: (قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ)، فهل بعد هذا أمر أوضح في العموم والشمول؟!