صفات لا تشترط في الأنبياء
وأما ما يتتبعه بعض المتكلمين من الصفات كما يذكر بعضهم أنه يستحيل في حق الرسل السواد ونحو ذلك؛ فهذا لا دليل عليه ولا يمكن اعتباره؛ لأن السواد ليس وصفاً منفراً، بل كثير من البشرية يتصفون بذلك، فاختلاف ألوانهم إنما هو من حكمة الله ﷾ الراجعة إلى اختلاف البيئات والمعاش ونحو ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، فقد ذكر اختلاف الألسنة والألوان مع خلق السماوات والأرض مما يدل على تأثير البيئة في الألسنة والألوان، وقد أخبر الله ﷾ أنه ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه.
وكذلك امتن علينا معشر هذه الأمة بأن أرسل إلينا النبي ﷺ من أنفسنا، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، ففي بعض القراءات: (من أنفَسِكُم) أي: من أعزكم نسباً، وقد بين النبي ﷺ ذلك في حديث الاصطفاء وقال: (إن الله اصطفى من ذرية إبراهيم كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، وجعلني من بني هاشم في المحل الأسمى، فأنا خيار من خيار من خيار).
فهذا حديث الاصطفاء فيه اختيار ربانيٌ من عند الله ﷾، اصطفى فيه رسوله ﷺ مثل اصطفائه للرسل الآخرين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٤]، وهذا الاصطفاء لا ينافي الكفر ولا ينافي دخول النار؛ لأنه إنما يصطفى الإنسان من بني جنسه وبني جلدته وأهل زمانه، فلهذا يمكن أن يكون فيهم من هو من الكفار، وقريش مصطفون على من سواهم من القبائل ومع ذلك فيهم الكفرة وفيهم أهل النار.
والذين قرءوا حديث الاصطفاء وأخذوا منه أن أجداد النبي ﷺ جميعاً من أهل الجنة أخطئوا في الفهم؛ لأن الاصطفاء ليس لأجداده فقط بل لقريش كلها، ولذلك صح عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: (قريش قادة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة) ولهذا فإن استدلالهم أيضاً بتحريم أذاه وأن الله قد لعن الذين يؤذونه، وأن ذكر أجداده أو آبائه بالكفر أذىً له لا دليل فيه؛ لأنه ليس من أذاه، ولو كان من أذاه لما قاله، وقد صح في صحيح مسلم أنه قال: (إن أبي وأباك في النار).
ومعنى الإيمان بالرسل، هذه المراتب المتعددة: أولاً: الإيمان بأن الله بعث إلى البشر رسلاً منهم لهدايتهم وإقامة الحجة عليهم للبشارة والنذارة.
ثانياً: الإيمان بالذين سموا منهم تفصيلاً.
ثالثاً: الإيمان باتصافهم بالصفات السابقة.
رابعاً: الإيمان بأن محمداً ﷺ خاتمهم وأن رسالته ناسخة لجميع شرائعهم، والإيمان به بخصوصه مقتضٍ أيضاً لتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وأن لا يُعبد الله ﷾ إلا بما شرع بعد أن بعث، وما يتعلق برسالة النبي ﷺ بخصوصه أطول من هذا، فهذا ما يتعلق بالرسل عموماً.