تبليغ القرآن للمجتمع كله
وعلى المسلم -حينما يستنير بنور هذا القرآن، ويستظل بظله الوارف- أن يشعر بالمسئولية أيضاً تجاه المجتمع، وبواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينئذ يشمر عن ساعد الجد؛ حتى لا تغرق السفينة التي تكاد الآن أن تغرق حينما تضربها الأمواج من كل جانب، والعالم كله -أسفل السفينة وأعلاها- عليه أن يقوم بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ استجابة لقول الله ﷿: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
ثم حينما ينظر المسلم إلى دائرة أوسع، وإلى واجب أكبر، وهو ما فرضه الله ﷿ تجاه إخوانه المسلمين في العالم؛ فإنه يشمر عن ساعد الجد، فإن كان من أرباب العلم والمعرفة فعليه أن يبلغ الناس الدين الصحيح والعقيدة السليمة السلفية التي تركنا عليها رسول الله ﷺ، وهي المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وحينئذ عليه أن يكون داعية خير، وإن كان من أصحاب السلطة والذين مكن الله ﷿ لهم في الأرض، فإن عليه أن يؤدي هذا الدور الذي يتناسب مع حاله ومركزه، وإن كان من عامة الناس، فإن الجهاد في سبيل الله ﷿ أمر باق ما بقيت السماوات والأرض حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا تزال طائفة على الحق ظاهرة حتى يأتي أمر الله.
أما الطريق فإن فيه عقبات، والمسلم لا يبالي، ومنهجه دائماً: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ وهكذا يسير المسلم في طريقه إلى الله ﷿ لا يخشى على نفسه؛ لأن الآجال مقدرة من عند الله ﷾، ولا يخشى على ماله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، إنما هو أجل ومقدار للرزق، والرسول ﵊ يقول: (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها).
أخي المسلم! لابد من العودة إلى كتاب الله ﷿ عودة حميدة، ولابد من الاستمساك لا مطلق التمسك، فإن الإمساك يختلف عن الاستمساك، فلابد أن نأخذ هذا الكتاب بقوة، ولابد أن نطبقه في كل صغيرة وكبيرة من أمرنا ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء:٨٤].
وبعد: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، نعم، لقد آن، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧]، فكما أن الله ﷿ يحيي الأرض بعد موتها فهو أيضاً يحيي القلوب بعد موتها وبعد غفلتها.
أقول قولي هذا، ولا أعلم أحداً منكم أكثر تقصيراً وإساءة مني، ولكني أستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.