العلم
العامل الخامس: العلم.
إنَّ لنا مأخذ على بعض أفراد هذه الصحوة الإسلامية المباركة، وهو أن طائفة منهم لم يتزودوا بشيء من العلوم التي تنفعهم، لاسيما وأن هذه الصحوة عمت أصحاب العلم الشرعي وأصحاب العلوم الأخرى العصرية، وهذا كله خير، لكن المجال واسع لمن أراد أن يتعلم، فهناك المكتبات، وهناك العلماء، وهناك كل وسائل التعليم والإصلاح، فعلينا أن نأخذ بها، وحينما نقول: (العلم) لا نحصر ذلك على العلم الشرعي فقط.
والله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] والأصل أن أول من يدخل في ذلك هم علماء شرع الله ﷿، لكن ذلك لا يمنع أن يدخل في هذا الأمر العلماء العصريون الذين علموا شيئاً من علم الفلك، أو غاصوا في أعماق الأرض فعلموا شيئاً من علومها، أو اطّلعوا على أي نوع من العلوم في الهندسة أو في الطب أو في الكيمياء أو في أي شيء، كل هؤلاء في الحقيقة يُعتبرون علماء، وفي كل علم من هذه العلوم كنوز توصل هذا الإنسان إلى ربه ﷿، وتعرفه بالله ﷿، فالذين طاروا في الفضاء لو حكّموا عقولهم ونظروا نظرة مفكر متجرد لعرفوا الله ﷿ من خلال هذا الفضاء، والذين غاصوا إلى أعماق الأرض فرأوا شيئاً من مخلوقات الله ﷿ في هذا الوجود لو فكروا لعرفوا الله ﷿ حق المعرفة، والطبيب الذي يشرح هذا الجسم وينظر إلى العروق وإلى تلك الأجزاء أن كل واحد منها يؤدي دوراً لا يستطيع أن يؤديه جزء آخر يعرف الله ﷿ من خلال هذا العلم، وهكذا كل أصحاب الفنون يعرفون الله ﷿.
ولذلك يقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، ويقول عن العلوم العصرية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، ويقول ﷿: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠ - ٢١].
فهذه العلوم بجميع أنواعها تعتبر وسيلة من وسائل الإيمان بالله ﷿، وطريقاً من أبرز طرق الإيمان ومعرفة الله ﷾، ولذلك نقول: إن العلم هو أكبر وسيلة للاستقامة، ونخصّ بصفة خاصة العلم الشرعي الذي يُعرفّ الإنسان بربه ﷾، فيعرف ربوبية الله ﷿ من خلال مخلوقاته وآياته الكونية، ويعرف وحدانية الله ﷿ من انتظام هذا الكون، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، ويعرف الله ﷿ من خلال ما في نفسه من الآيات، وحينئذ يكون مؤمنا فّذاً يعرف الله ﷿ بآياته فيؤمن به حق الإيمان.