ثم قال: والحاصل أني لم أخِلَّ برؤية أحد ممن يُشار إليه من ملك ولا سلطان، ولا عالم ولا شيخ، ولا كبير، على حسب ما يتفق، ولم يبق من العلوم فنّ إلا وكان لي فيه حظّ وافر، ولا منصب إلا وكان لي فيه نصيب؛ من التدريس، والخطابة، والإمامة والكتابة، والوعظ، والتصنيف، والترجمة، وغير ذلك. ورأيتُ ملوك "الجغتاي (¬١) " -بالغين المعجمة- و"الخطا"، وأولاد توقتامش وأيدكو، وملوك "الروم"، والعجم، و"الترك".
هذا، وقد أفصح في نظم القصيدة المذكورة سابقًا عن بعض حاله، وكثرة جلّه وترحاله، حيث يقول:
ألَا إنَّنِي يا أهلَ جِلَّقَ منكمُ … ومَن نَسَبِي أَنْسابُ سَعْدٍ وعُثْمانِ
وَمَسْقَطُ رأسِي في دمشقَ وقد مَضى … بها جُلُّ أسلافي وأهلِي وإخواني
ولكنَّما حُكْمُ الإلهِ بما جَرَى … قَضى لي بتغريبِ الدِّيارِ فأقصانِي
وَدَحْرَجَني ذا الدَّهْرُ في صَوْلجَانِهِ … لأَطْوارِ أَدْوارٍ وكثرةِ دورانِ
فَقَضَّيْتُ غضَّ العُمْرِ في طَلَبِ العُلَى … على بُعْدِ أَوْطانِي وقِلَّةِ أَعْواني
فَطَوْرًا تَرَى بالصِّيْنِ سَابِقَ ناقَتِي … وحينًا تَيرَى بالرُّوم قائد هِجاني (¬٢)
وطَوْرًا تَرانِي ذا ثراءٍ وتارةً … أَلُوكُ الثرى فقرًا فقرًا وأَكْتُمُ أَشْجانِي
وفي كُلِّ أَطْوارِي تَرانِي مُشَبَّثًا … بِذيلِ المِعاني غيْرَ وَاهٍ ولا وانِي
أباكِرُ دَرْسَ العِلْمِ جُهدي وطاقَتِي … وأخدُم أهلَ الفضلِ في كلِّ أحْياني