وأيّ ورع يكون فيمن يقف ملجم اللسان من أجل سواد عيني الخطيب البغدادي (¬١)، أو إمام الحرمين (¬٢)، اللذين لم يتورّعا عن ذكر هذه المثالب القذرة التي لا تليق روايتها بحق عوام الناس وفسّاقهم، فكيف بالإمام الجليل الذي تواضع الناس على إجلاله واتّباعه جيلًا بعد جيل.
ويُعْذَر مضطرّ إذا ضاق ذَرْعه … فجرّدَ صَمْصَامًا به يتذَرّع.
فإنّ الذي تَعْيا به من حَمَاقَة … ستُقْنِعه حَتْمًا إذا تَتدرّع.
زهده الفريد وعفافه النادر:
كان الكوثري في زهده مثلا حيّا لاسمه زاهد، وكان في عفافه مترفّعا عن الدنيا وعن أهلها إلى حدّ قد لا يتصوّر -ولا أستسيغ أن أذكر هنا بعض ما أعرف من نوادر عفافه، لأنه كان يستحيي من ذكرها، ويتأذّى من الكلام عن عسره- ولذا يكفيني والله ﷾ يعلم صدقي أن أقول: إن المترجم كان على قلّة ذات يده، أعفّ من رأيت -وإذا كان التعفّف عن الدنيا في هذا الزمان أضحى متعسّرا على الميسورين، مستحيلًا في حقّ المملقين، فإن الله ﷾ أراد خرق هذه الاستحالة، فأوجد لنا معسِرًا عفيفًا، هو الزاهد الكوثري.
ومن فضائله الجمّة عزوفه التامّ عن المماكسة، وقد كتب لي السيّد حسام الدين القدسي، يقول: ضمن كتابه عن الأستاذ لما لقيه عند قدومه