فاستولى الفرح على قلبي، والثاني حين أهّلتُ للاستياذ (¬١) في موضع شيخنا أبي إسحاق، فذلك أوفى النعم، وأعظم المواهب والقسم، وغضب أبو الحسين القدوري على فقيه من أصحابه، وعلى أبي الحارث، فاسترضى الفقيه، ولم يسترض أبا الحارث.
وقال: إنه يعود بنفسه، فإن العلم يعيده.
فلما كان من الغد حضر المسجد (¬٢)، وجلس مكانه، وكان أبو الفضل ورد "بغداد"، ومعه ابنه أبو الحارث، فقصد أبا الحسين القدوري، وسلّم عليه. فقال له: في أيّ شيء وردت.
فقال: للحج.
قال: وذلك الفتى من هو؟
قال: ابني.
قال: ويصحبك، قال: لا، بل يصحب سيّدنا.
فقال القدوري للابن: انظر إلى أسباقي، فاختر منها درسا، ودرّس أثني عشر درسا. وقال: أيها تريد أن تشارك أصحابه.
فقال يسمعها سيّدى مني، فأعادها عليه جميعها، ولحقه الماليخوليا (¬٣) من كثرة إعادته، فأشار أهل الطبّ: يحمل إلى الشطوط، ويوقف على حلق الْمُشَعْوِذين (¬٤) والمحدّثين، ويخالط أرباب الهزل.