فائدة: حديث أبي هريرة ﵁ في المصراة لأصحابنا في الجواب عنه طرق ثلاث:
الطريق الأول: مذهب عيسى بن أبان من أصحابنا اشتراط فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس، وخرج عليه حديث المصراة، وتابعه أكثر المتأخرين، فأما عند الشيخ أبي الحسن الكرخي ومن تابعه من الأصحاب فليس فقه الراوي شرطا لتقديم الخبر على القياس، بل يقبل خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفا للكتاب أو السنة المشهورة، ويقدم على القياس. قال أبو اليسر: وإليه مال أكثر العلماء، قال في التحقيق في "شرح الأخسيكثي" للإمام عبد العزيز: وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة ﵁ إذا أكل أو شرب ناسيا، وإن كان مخالفا للقياس، حتى قال أبو حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس، قد ثبت عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: مَا جَاءَنَا عَن اللَّه، وَعَن رَسُول اللَّه ﷺ، فعلي الرَّأْس وَالْعين، وَلم ينْقل عَن أحد من السّلف اشْتِراط الْفِقْه في الرَّاوِي، فَثَبت أَنه قَول مُحدث.
الطَّرِيق الثَّانِي: أَنه مُخَالف للْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس.
أما الْكتاب، فَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وَقَوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
وَأما السّنة، فَقَوله ﷺ: من أعتق شِقْصا لَهُ في عبد، قوّم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه، إن كَانَ مُوسِرًا. الحَدِيث، وَقَوله ﷺ: الخْراج بِالضَّمَانِ.
وَأما الإِجْمَاع، قد انْعَفَد على وجوب الْمثل أَو الْقيمَة عِنْد فَوَات الْعين.
وَأما الْقيَاس، فبَيَانه أَن الشيء التَّالِف مَضْمُون بِأحد أُمُور ثَلَاثَة: إِمَّا الثّمن، أَو الْمثل، أَو الْقيمَة، فالتَّمْر لَيْسَ بِثمن للبن، وَلَا بِمثل وَلَا بِقِيمَة.