قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀ في "النشر":
فالتجويد مصدر من جَوَّدَ تجويدًا … فهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجودة الألفاظ بريئة من الرداءة في النطق، ومعناه انتهاء الغاية في التصحيح وبلوغ النهاية في التحسين، ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالنبي ﷺ أفصح من نطق العربية (¬١)
التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح استغناء بنفسه واستبدادا برأيه وحدسه واتكالًا على ما ألف من حفظه واستكبارًا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه فإنه مقصر بلا شك وآثم بلا ريب وغاش بلا مرية. (¬٢). غير إنه يجب أن يراعى عدم التكلف والتعسف في القراءة والمبالغة في إقامة حروف القرآن والتعسف والتكلف والتقعر في النطق بها، وهذا التعسف والتكلف نهى عنه المعصوم ﷺ عمومًا فقال: " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" قَالَهَا ثَلَاثًا. (¬٣)
والمُتَنَطِّعُونَ: المُتَعَمِّقُون، الغَالُونَ، المُجَاوِزُونَ الحُدَودَ في أقْوَالِهِم وأفْعَالِهِم.
وقال العَلاَّمَةُ، شَيْخُ القُرَّاءِ وَالأُدَبَاءِ، أبو الحسن عَلَمُ الدِّيْنِ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ السَّخَاوي (ت: ٦٤٣ هـ): ﵀ في مَطْلَعِ قَصِيدَتِهِ الموسومة بـ: (عُمْدَةُ المُفِيدِ وَعُدّةُ الْمُجِيد في مَعْرِفَةِ التَّجْويدِ) (¬٤)
يَا مَنْ يَرُومُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ … وَيَرُودُ شَأْوَ أَئِمَّةِ الإِتْقَانِ
لَا تَحْسَبِ التَّجْوِيدَ مداًّ مُفْرِطًا … أَوْ مَدَّ مَا لا مَدَّ فِيهِ لِوَانِ
أَوْ أَنْ تُشَدِّدَ بَعْدَ مَدٍّ هَمْزَةً … أَوْ أَنْ تَلُوكَ الْحَرْفَ كَالسَّكْرَانِ
أَوْ أَنْ تَفُوهَ بِهَمْزَةٍ مُتَهَوِّعًا … فَيَفِرّ سَامِعُهَا مِنَ الْغَثَيَانِ
لِلْحَرْفِ مِيزَانٌ فَلَا تَكُ طَاغِيًا … فِيه وَلَا تَكُ مُخْسِرَ الْمِيزَانِ.