ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الأول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد ﵇، وفي الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء، والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما.
قال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) [البقرة: ١٨٥] فقيل في عشره. وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل في الرابع والعشرين منه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران، أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " (¬١) وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه، ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين.
وأما قول جبريل (اقرأ) فقال: " ما أنا بقارئ " فالصحيح أن قوله " ما أنا بقارئ " نفي أي لست ممن يحسن القراءة. وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة. ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد لان الباء لا تزاد في الاثبات (¬٢). ويؤيد الأول رواية أبي نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله ﷺ وهو خائف يرعد - " ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ " فأخذه جبريل فغته غتا شديدا. ثم تركه فقال له: اقرأ. فقال محمد ﷺ: " ما أرى شيئا أقرأه، وما أقرأ، وما أكتب " يروى فغطني كما في الصحيحين وغتني ويروى قد غتني أي خنقني " حتى بلغ مني الجهد " يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع. وفعل به ذلك ثلاثا.
قال أبو سليمان الخطابي: وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرحضاء أي البهر والعرق. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس. كما قال تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) [سورة المزمل: ٥] ولهذا