أي: عصمك منهم.
وقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ (¬١) ليلة أسري به (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) شجرة الزقوم (¬٢).
وكذا رواه أحمد، وعبد الرزاق، وغيرهما، عن سفيان بن عيينة به (¬٣)، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس، وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء: مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد. وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستقصاة، ولله (¬٤) الحمد والمنة. وتقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق؛ لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتًا ويقينًا لآخرين؛ ولهذا (¬٥) قال: (إِلا فِتْنَةً) أي: اختبارًا وامتحانًا. وأما "الشجرة الملعونة"، فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل لعنه الله (¬٦) [بقوله] (¬٧) هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، وجعل يأكل هذا بهذا ويقول: تَزَقَّموا، فلا نعلم الزقوم غير هذا.
حكى ذلك ابن عباس، ومسروق، وأبو مالك، والحسن البصري، وغير واحد، وكل من قال: إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك (¬٨) بشجرة الزقوم.
وقد قيل: المراد بالشجرة الملعونة: بنو أمية. وهو غريب ضعيف.
قال ابن جرير: حدثت عن محمد بن الحسن بن زَبَالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي عن جدي قال: رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القرود (¬٩) فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتى مات. قال: وأنزل (¬١٠) الله في ذلك: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) الآية (¬١١).
وهذا السند ضعيف جدًا؛ فإن "محمد بن الحسن بن زَبَالة" متروك، وشيخه أيضًا ضعيف بالكلية. ولهذا اختار ابن جرير: أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال: لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي: في الرؤيا والشجرة.
وقوله: (وَنُخَوِّفُهُمْ) أي: الكفار بالوعيد والعذاب والنكال (فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا) أي: تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال. وذلك من خذلان الله لهم.