تجوزا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: "إن [في] (¬١) المعاريض لمندوحة عن الكذب" (¬٢)
وقال (¬٣) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نَضْرَة (¬٤)، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: "ما منها كلمة إلا ما حمل بها عن دين الله تعالى، فقال: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وقال ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقال للملك حين أراد المرأة: هي أختي" (¬٥).
قال سفيان في قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) يعني: طعين. وكانوا يفرون من المطعون، فأراد أن يخلو بآلهتهم. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ)، فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج. فقال: إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: رأى نجما طلع فقال: (إِنِّي سَقِيمٌ) كابد نبي الله عن دينه (¬٦) (فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ).
وقال آخرون: فقال (¬٧): (إِنِّي سَقِيمٌ) بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني: مرض الموت.
وقيل: أراد (إِنِّي سَقِيمٌ) أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله ﷿.
وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. رواه ابن أبي حاتم.
ولهذا قال تعالى: (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) أي: إلى عيدهم، (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ) أي: ذهب إليها بعد أن خرجوا في سرعة واختفاء، (فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)، وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتُبرّك لهم فيه.
قال السدي: دخل إبراهيم، ﵇ إلى بيت الآلهة، فإذا هم (¬٨) في بَهْوٍ عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه [صنم آخر] (¬٩) أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما وضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد بَرَكَت الآلهةُ في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم، عليه والسلام، إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: (أَلا تَأْكُلُونَ. مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ)؟!