القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قالوا: لا يجب عليه ذلك بل يلبس الخفين ولا شيء عليه.
واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس: أنه سمع النبي ﷺ وهو يخطب بعرفات فقال: (من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) (١)
قالوا: وأطلق النبي ﷺ هنا فلم يأمر بقطع الخفين حتى يكونا أسفل من الكعبين.
قال جمهور العلماء: هذا حديث مطلق وحديثنا حديث مقيد فيقيد المطلق بالمقيد.
فأجاب الحنابلة وقالوا: حديثنا الذي استدللنا به قد قاله النبي ﷺ بعرفات ومعه المدنيون والمكيون وسائر الناس ممن حج من جهات كثيرة من العرب، وأما حديث ابن عمر الذي استدللتم به فإنما قاله النبي ﷺ في المدينة، وفي مسند أحمد بإسناد جيد عن ابن عمر قال: (سمعت النبي ﷺ يقول على المنبر أي منبره في المدينة)
فالنبي ﷺ حدث بحديث ابن عباس على مشهد الناس عامة وحدث بحديث ابن عمر على مشهد الناس خاصة، ولو كان واجباً قطع الخفين إلى أسفل الكعبين لبينه النبي ﷺ في المشهد العام، فدل ذلك على أنه منسوخ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فيمتنع على النبي ﷺ أن يحدث الناس بقيد في مجتمع خاص ثم يحدث بغير قيد في مجتمع الناس العام.
وقد يقال: أنه إذا قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فإنهما يكونان بحكم النعلين بل هما نعلان – وحينئذٍ – يكون قول النبي ﷺ من باب العزيمة، أما حديث ابن عباس فيكون من باب الرخصة.