ويبلغ التشريع أعلى ذروة من النزعة الإنسانية حين يقرر وحدة العوالم كلها من إنسان وحيوان ونبات وجماد وأرض وأفلاك في سلك العبودية لله والخضوع لنواميس الكون، وما أروع ما يطلبه القرآن من المسلم أن يذكره في كل ركعة من ركعات صلاته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١، إنه لواجب أن يذكر المسلم أنه جزء من الكون مخلوق لإله واحد متصف بالرحمة البالغة الشاملة، فليكن المسلم في هذا العالم الذي يعيش فيه، مثالا للرحمة التي يتصف بها الله وهو غني عن العالمين.
تغاضب أبو ذر ﵁ ت ٣٢هـ، وهو عربي من غفار، مع بلال الأسود الحبشي ت ٢٠هـ، ﵁، مولى أبي بكر ﵁، وكان أبو ذر وبلال صحابيين ممن آمن بالإسلام ورسوله، وتطور النزاع بينهما إلى أن أخذت أبا ذر الحدة فقال لبلال: يابن السوداء! فشكاه بلال إلى النبي ﷺ فقال لأبي ذر: "أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" ٢.
وسرقت امرأة من بني مخزوم في عهد النبي ﷺ وجيء بها لتعاقب، فأهمّ ذلك قريشا وقالوا: من يشفع لها عند رسول الله ﷺ في إسقاط الحد عنها؟ ثم ذكروا أن أسامة بن زيد ت ٥٤هـ، ﵁، حبيب إلى قلب الرسول ﷺ فكلموه في أن يشفع لها عنده، فكلمة بذلك فغضب ﵊ غضبا شديدا وقال لأسامة: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، ثم قام في الناس خطيبا فقال: "إنما أهلك من