قال القاضي: فالله تعالى يقول: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[١] ، قال اللص: الحزن غير الجزع، وإنما حزن أبو بكر [٢] أن يصيب رسول الله، ﷺ، شيء، فينهدم سور الإسلام، وينحلّ نظامه، ويفرق التئامه، فلا يعبد الله، فلأجل هذا كان حزنه، وكان أكثر حزنه على دين الله ﷾، ولم يكن حزنه جزعا على نفسه، ولا على ماله وولده وعرسه، كيف يكون كذلك، وقد فارق الأهل والولد والمال والبلد، وخرج مع رسول الله ﷺ، يدعو القبائل، فأما قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
، فوجه الدلالة على فضل أبي بكر [٣] في هذه الآية من ستة مواضع:
الأول: أن الله تعالى ذكر النبي ﷺ، وذكر أبا بكر، فجعله ثانيه في الرتبة، فقال:
ثانِيَ اثْنَيْنِ.
الثاني: أنه وصفهما بالاجتماع معا في مكان واحد، لتأليفه بينهما، فقال: إِذْ هُما فِي الْغارِ
. الثالث: أن الله تعالى أضافه إليه لذكره الصحبة، فجمع بينهما لمقتضى الرتبة، فقال: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ
./
الرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي ﷺ، ورفقه به، ومحله منه، فقال: لا تَحْزَنْ.
الخامس: أنه أخبره أن الله تعالى معهما، على حد سواء، ناصر لهما [٤] ، فقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا.
السادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأن الرسول ﵇، لم تفارقه السكينة قط، قال: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
، فهذه ستة مواضع، تدل على فضل أبي بكر من آية الغار، ولا يمكنك ولا لغيرك الطعن عليها، ولا النقض لها.
قال القاضي: فان الله تعالى يقول: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ
[٥] ، وعنى في هذه الآية عليّا، قال اللص [٦] :
فلأبي بكر مثلها، وهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ