بَيْنَهُمْ قِتَالٌ قَدْ يُفْضِي إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَنَهْبِ الأَمْوَالِ كَمَا لَوْ قُدِّرَ دُخُولُ الْفِيل وَأَصْحَابه مَكَّةَ، لَكِن سَبَقَ فِي عَلْمِ اللهِ تَعَالَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ
فَي الإِسْلامِ خَلْقٌ مِنْهُمْ وَسَيُخْرِجُ مِنْ أَصْلابِهِمْ نَاسٌ يُسْلِمُونَ وَيُجَاهِدُونَ. وَكَانَ بِمَكَّة جَمْعٌ كَثِيرٌ مُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة جَوَازُ التَّشْبِيه مِنْ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْجِهَةُ الْخَاصَّةُ لأَنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ مَحْضٍ وَأَصْحَابَ هَذِهِ النَّاقَة كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَحْضٍ، وَلَكِن جَاءَ التَّشْبِيه مِنْ جِهَةِ إِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى مَنْع الْحَرَمِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْخَطابِيُّ: مَعْنَى تَعْظِيم حُرُمَاتِ اللهِ فِي هَذِهِ تَرْك الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ وَالْجُنُوحِ إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَالْكّفِّ عَنْ إِرَادَةِ سَفْكِ الدِّمَاءِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقٍ: يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ حُرُمَاتِ اللهِ.
بَابُ جَوَازِ مُصَالَحَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً
٤٤٤٣- عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إلَى قَصْرِهِمْ وَغَلَبَهُمْ عَلَى الأرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلُوا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَهِيَ السِّلاحُ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَكْتُمُوا وَلا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتْ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيِّ وَاسْمُهُ سَعْيَةُ: «مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ النَّضِيرِ» ؟ قَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ: «الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ» . وَقَدْ كَانَ حُيَيِّ قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْيَةَ إلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَا هُنَا. فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رسول الله ﷺ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَسَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَكُونُ فِي
هَذِهِ الأرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا لأصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا وَكَانُوا لا يَفْرُغُونَ أَنْ