وقد شهدت امرأة العزيز له بالخيرية والعصمة بقولها: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣٢).
ولئن همَّت امرأة العزيز بالفاحشة؛ فإن يوسف ﵇ لم يقع منه الهمُّ أصلاً؛ وهذا منطوق الآية لمن فهم لغة العرب وطرائقهم في البيان، فالآية تثبت لامرأة العزيز الهمَّ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾، لكنها تنفي الهمَّ بالمعصية عن الصديق يوسف ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، و (لولا) عند العرب تفيد امتناعاً لوجود، أي لم يحصل الفعل لوجود ما منعه، فلم يتحقق الهمّ بالخطيئة لأنه رأى برهان ربه.
قال أبو حاتم: "كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن، فلما أتيت على ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: هذا على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها" (١).
ومثله في قول الله تعالى عن أم موسى: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (القصص: ١٠)، فهي لم تبد لهم بحقيقة أمومتها لموسى؛ لأن الله ربط على قلبها، وكذلك لم يهم يوسف بالمعصية لأنه رأى برهان ربه.
ومثله أيضاً في قول الله لنبيه ﷺ: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٤)، فالركون لم يقع منه ﷺ لوجود التثبيت من الله، وكذلك الهمُّ لم يقع من يوسف ﵇ لوجود برهان الله أي تثبيته وعصمته.
ومثله في كلام الناس معروف: لقد رسبتُ لولا أني درست، فهو يفيد - في ذهن السامع- النجاح لا الرسوب، وأن ذلك سببه الدراسة.
قال أبو حيان: "والذي أختاره: أن يوسف ﵇ لم يقع منه همّ بها