المبحث الخامس
حكمة الشفاعة
عرفنا أنّ الشفاعة هي التوسط وطلب الرحمة والمغفرة من قبل العبد لربه على اختلاف عين ذلك العبد. فالعبد ((الشافع)) يقوم بين يدي مولاه ﷻ فيشفع لأهله أو لأمته ... فيقف أمام الملك ﷻ ويتذلل له، فيأذن ملك الملوك له، أو قد ينادي الجبار:- يا فلان: قم فاشفع. أي إن الشافع أيّاً كان- لا يملك من الامر شيئاً، فلا يستطيع أنْ يشفع لأي مخلوق إلا من بعد ان يأذن الله تعالى ويرضى، ((يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)) (١).
يقول إبن تيمية:- ((والله تعالى وتر لا يشفعه احد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فالامر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في أية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد فقال ((له ما في السماوات وما في الارض مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا بإذنه)) (٢) وسيد الشفعاء ﷺ يوم القيامة إذا سجد وحمد ربه، يقال له ((إرفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيحد له حداً فيدخلهم الجنة)) (٣)، فامر كله لله كما قال تعالى: ((قل إن الامر كله لله)) (٤)، وقال لرسوله ﷺ ((ليس لك من الامر شيء)) (٥)، وقال ((ألا له الخلق والامر)) (٦)). (٧)
وإذا كان ((حقيقة الشفاعة المأذون فيها: انّ الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الأخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذنَ لهم في المشفوع له)) (٨) وإذا كان الله ﷻ ((هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد