الفصل السادس إدارة شؤون القضاء
رابعا: الحسبة
قام النبي ﷺ وأصحابه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بموجب ما ورد من ايات تأمر بذلك، يقول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... [ال عمران: ١١٠] وقال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [ال عمران: ١٠٤] «١» وقد أصبحت هذه المهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بعد ولاية مستقلة تسمى ولاية «الحسبة» .
والحسبة- بهذا المفهوم- وظيفة إدارية مارسها النبي ﷺ بنفسه، وقلدها غيره «٢» ، يروي مسلم (ت ٢٦١ هـ) أن النبي ﷺ كان يتجول في أسواق المدينة للمراقبة. وأنه مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: «يا صاحب الطعام ما هذا؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال النبي ﷺ: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟» ثم قال: «من غش فليس منا» «٣» . وذكر البخاري (ت ٢٥٦ هـ) قول ابن عمر (ت ٧٣ هـ) : «أنهم كانوا- أي الصحابة- يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ، فبعث إليهم من يمنعهم أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم» «٤» ، وذكر مسلم (ت ٢٦١ هـ) قول سالم بن عبد الله أن أباه قال: «وقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم» «٥» فكانت مراقبة الأسواق جزا من مهام المحتسب، وفي فترة لاحقة استعمل النبي ﷺ بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة، فاستعمل سعيد بن العاص بن أمية (ت ٩ هـ) على سوق مكة بعد الفتح «٦» ، وكان أول موظف محتسب في الإسلام، كما استعمل